الثقافة والفن

قصة قصيرة بقلم الأديب / مهدي الجابري .. العراق

قصة قصيرة بقلم الأديب / مهدي الجابري .. العراق

 

كاتب مغمور

قطَّب حاجبيه متذمِّرًا، وهو يلتفت إلى الوراء، كأنَّه لا يريد رؤيتي، ثمَّ أعاد نظارات القراءة، ليبحر في سطور رواية بين يديه.

_ “أتمنى ألا يكتبوا! ولما هذه الخسائر من الورق؟!”

_ “هل قرأت ما بين دفتي الرواية؟”

_ “أنا أقرأ أدبًا عربيًا وعالميًا من المخضرمين.”

_ “كيف تحكم على عمل لم تطلع عليه؟”

تناولتُ كوب الشاي، وهو يسحب نَفَسًا عميقًا من سيجارته التي أخذت تحترق سريعًا، والدخان يعلو وجهه. فكَّرتُ مليًا أن أقوم بفعل يعيده إلى جادة الصواب. طبعتُ كتابًا بالاتفاق مع دار النشر، على أن يكون الورق قديمًا جدًا، لونه مائلًا للسمرة، وغلافه ألوانه باهتة، ورسمته بقلم رصاص. وُضِعَ اسم “كاتب قديم مغمور” عليه. ثَنَيتُ بعض الوريقات، ومزَّقتُ بعضًا منها، وعلى سطح المنزل صَهَدَتْه الشمس الحارقة، فأصبح تمامًا كأنَّه كتاب قديم. وضعته مع بسطة الكتب في شارع المكتبات، ومررتُ عليه أيامًا، وأنا أراقب الكتاب عن كثب.

اعتدتُ الجلوس في المقهى كل يوم، دخل صديقي وهو فرح مستبشر، وقال: “لقد حظيتُ بخبر أدبي غير مسبوق، وجدتُ فيه الأصالة والحرف الذي فقدناه منذ سنين، أعاد إلينا جمال الأدب العربي والعالمي. أتصدق أنني البارحة لم أنَمْ، وأنا أتصفحه ورقة ورقة؟ اليوم سأُظهِرُ كاتبًا طالما غمرته السنوات، لزامًا علي أن أُحيي هذا الأديب.”

راح يقرأ بعضًا من صفحات ذلك الكتاب لأصدقائه الجالسين الذين كانوا يستمعون باهتمام وبابتسامة عريضة جعلته يشعر بالزهو. صاح بصوت عالٍ مناديًا: “نادل، نادل! شاي لجميع الموجودين في المقهى، على حسابي.”

كان يرمقني كل لحظة، ويدي على خدي. عاد إليَّ مستغربًا!

_ “هل عندك ما تقوله؟”

_ “نعم، عندي!”

_ “ماذا؟”

_ “ليتك انتبهت إلى اسم المطبعة الحديثة على الكتاب!”

 

مهدي الجابري .. العراق

@إشارة

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار