تحذير وطني في الاتجاه الصحيح … مستشارية الأمن القومي تُحذر من الحركة المدخلية الإسلامية في أطراف بغداد ..
أ م د مهدي علي دويغر الكعبي

تحذير وطني في الاتجاه الصحيح …
مستشارية الأمن القومي تُحذر من الحركة المدخلية الإسلامية في أطراف بغداد ..
بقلم .. الكاتب والمحلل الأكاديمي
أ م د مهدي علي دويغر الكعبي
في خطوة تُعد الأولى من نوعها وفي الاتجاه الصحيح أطلقت مستشارية الأمن القومي العراقية تحذيراً رسمياً من التعامل أو الانخراط في ما يُعرف بـ”الحركة المدخلية الإسلامية” التي بدأت تنتشر في أطراف العاصمة بغداد في مؤشر يعكس وعياً أمنيًا متقدماً إزاء تنامي ظاهرة الحركات الإسلامية المتطرفة .
والتي تتحول شيئًا فشيئًا إلى قنابل موقوتة تهدد السلم الأهلي وتضرب وحدة المجتمعات محذرةً من مخاطرها على الأمن القومي وارتباطها بتيارات دينية منحرفة تستهدف فئة الشباب والعقيدة الدينية لاسيما في المناطق الفقيرة والهشة اجتماعيًا وإن جاءت متأخرة نسبياً .
التطرف المتستر بالدين ….
شهدت السنوات الأخيرة تصاعدًا في نشاط الحركات الدينية المتطرفة التي استغلت الفراغ الروحي والثقافي عند بعض الشباب مستثمرةً العقيدة الإسلامية خصوصاً داخل الطائفة الشيعية لتبث أفكاراً منحرفة مغلفة بغطاء ديني. من بين هذه الحركات برزت ما تُعرف بـ – جماعة القربان – وهي جماعة تدّعي الانتماء للخط المهدوي وتنتشر بين فئات الشباب عبر تطبيقات وألعاب ذكية تؤدي في نهاية مسارها إلى طقوس انتحارية يُنفذها الشباب طوعًا تحت ذريعة “الزفاف إلى الإمام المنتظر عجل الله فرجه”.
تقوم هذه الجماعة بتنظيم لقاءات سرية تجري فيها قرعة ليُختار أحد الأفراد ليكون “القربان”. بعد طقوس مريبة تشمل الأدعية وإشعال الشموع يُقدم المختار على شنق نفسه دون تدخل مباشر من الآخرين.
هذه الممارسات التي اتخذت طابعًا طقوسيًا ليست سوى صورة أخرى من صور الإرهاب العقائدي والفكري الذي يضرب العمق المجتمعي ويشكّل تحديًا سافرًا للأمن القومي والمجتمعي.
تحذير السيد مقتدى الصدر والجهود الإصلاحية وقيادة تعيش الميدان …
لم تكن هذه الظواهر بعيدة عن أنظار السيد مقتدى الصدر (أعزه الله) الذي حذّر مرارًا وتكرارًا من الحركات المهدوية الكاذبة مشيراً إلى خطرها البالغ على العقيدة والمجتمع وعلى أمن المواطنين.
وقد بدأت اللجنة المركزية للتيار الصدري وخط الإرشاد الديني باتخاذ خطوات لمواجهة هذه الظواهر إلا أن تلك الخطوات تُعد مساهمة مهمة في المعركة الفكرية التي يخوضها العراق ضد التطرف العقائدي .
إن من أول من تصدّى فكريًا لهذه الظواهر هو السيد مقتدى الصدر (أعزه الله) . الذي حذر مراراً من الحركات “المهدوية الكاذبة” والتي تُسيء لعقيدة الانتظار وتُفرغها من بعدها الإصلاحي وقد جاء توجيه سماحته مؤخراً للجنة الإرشاد الديني بالاطلاع على أداء المديريات المعنية بمكافحة السلوك المنحرف ليؤكد مرة أخرى نهج القيادة الميدانية التي لا تكتفي بالخطاب بل تنزل إلى الواقع وتشخّص الخلل وتتابع الميدان.
وقد أظهرت اللجنة حرصها البالغ على تنفيذ توجيهات سماحته وتفعيل دورها في الساحات الشعبية والمجتمعية بما ينسجم مع الرؤية العقائدية الأصيلة لـسرايا السلام المدرسة التي تنتمي إلى آل الصدر حيث تتجلى القيادة في صورتها الإنسانية والأخلاقية البعيدة عن البيروقراطية والسطحية.
مسؤولية مؤسسات الدولة
الأمن القومي في مواجهة الإرهاب الجديد
نحن اليوم لا نواجه فقط الإرهاب التقليدي بل إرهاباً عقائدياً ناعماً يتسلل عبر الأفكار ويُجنّد أبناءنا بوسائل رقمية ليدفعهم نحو الموت بإرادتهم هذه الموجة الجديدة أخطر من إرهاب السلاح لأنها تغتال العقول قبل أن تسفك الدماء.
من هنا فإن تحرك مستشارية الأمن القومي يُعد بداية صحيحة لكنها تحتاج إلى دور مؤسسات الدولة في تشكيل منظومة متكاملة لمواجهة هذا النوع من الانحراف.
فـمستشارية الأمن القومي وبدعم من الأجهزة الاستخبارية يجب أن تقود هذا الملف بالتعاون مع الوزارات المعنية ..
•وزارة التعليم العالي والبحث العلمي .. عبر مراكز البحوث وأساتذة القانون والفكر الإسلامي لمواجهة الجذر العقائدي للظاهرة.
•وزارة التربية .. من خلال تطوير المناهج وبرامج التوعية في المراحل الدراسية المبكرة.
•وزارة الشباب والرياضة .. بتفعيل دور المنتديات الشبابية وتنظيم حملات ثقافية ورياضية تُعيد بناء الهوية الوطنية وتصنع بيئة بديلة عن الفكر المتطرف.
تفعيل دور أقسام والمدريات في مستشارية الأمن القومي .
إن مستشارية الأمن القومي بما تملكه من إمكانيات وخبرات استخبارية وميدانية مطالبة اليوم بتفعيل أقسام مختصة بمحاربة الانحراف العقائدي والتطرف الديني غير المسلح، عبر:
•رصد ومتابعة المحتوى الإلكتروني المشبوه.
•إعداد تقارير دورية عن الحركات المتطرفة الناشئة.
•التنسيق مع الحوزات الدينية لتفنيد الأفكار المنحرفة بشكل منهجي.
•العمل على تجفيف منابع هذه الحركات التي تتغذى من اليأس والفراغ والتهميش.
نحو استراتيجية وطنية للتحصين الفكري .
العراق اليوم بحاجة ماسة إلى استراتيجية وطنية لتحصين المجتمع لا تكتفي بملاحقة النتائج بل تعالج الأسباب وتمنع استغلال الدين والعقيدة لأغراض منحرفة تؤدي إلى فقدان أرواح بريئة باسم الغيب.
إن ما قامت به مستشارية الأمن القومي يُشكل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح لكنه لا يكتمل دون شراكة حقيقية بين الأمن والفكر وبين الدولة والمجتمع فالأمن القومي في زمننا المعاصر لا يُقاس فقط بقوة الجيوش بل بقدرتنا على حماية وعي أبنائنا وعقيدتهم من الانزلاق نحو الهاوية
في النهاية … بين الحزم والرحمة
إن ما نحتاجه اليوم هو خطاب يجمع بين الحزم الأمني والرحمة الإنسانية بين الردع القانوني والعلاج التوعوي بين المواجهة المباشرة والتثقيف المستمر فالمعركة ليست مع من يحمل السلاح فقط بل مع من يحوّل العقيدة إلى فخ للدم ومع من يروّج للانتحار بوصفه عبادة وللموت بوصفه خلاصًا.
ولعل أول الطريق هو أن لا نترك أبناءنا فرائس للتطبيقات والفرق الضالة وأن نستعيد حضور الدولة في التعليم، والإعلام، والدين، والشباب… قبل فوات الأوان.؟