الثقافة والفن

قصة قصيرة:( التغيير )د. وليد زيدان اللهيبي/ جمهورية العراق 

قصة قصيرة:( التغيير )د. وليد زيدان اللهيبي/ جمهورية العراق

التغيير

في إحدى القرى القريبة من بغداد العاصمة والى الشمال منها جلس رجل طاعن في السن على عتبة بجانب باب داره يمسد لحيته البيضاء وعيناه شاخصتان إلى الأمام يفكر بتغير الأحوال والعلاقات الاجتماعية في قريته.

من ينظر إليه يشعر أن هذا الرجل يفكر في موضوع هام جداً لان هذا الرجل لا يرى الأشخاص الذين يمرون من أمامه لانشغاله بأمور التغيرات التي حصلت. وهو في صمته هذا يكاد يكون ينطق بأن التغيرات هي السبب في كل هذا.

أي سبب يا ترى وأي مشاكل يعانيها هذا الرجل الطاعن في السن وما علاقة التغيرات في مشكلته التي يعاني منها، مرَّ أمام ناظريه شريط حياته الماضية وحياته اللاحقة منذ اربعون عاماً، عن أي شيء يبحث هذا الرجل لا زال يمسد لحيته منقطعاً عن العالم الخارجي لا يشعر بأي شيء يمر من أمامه كانه في صومعة يؤدي فيها طقوس العبادة، يتذكر أحوال قريته كيف كانت الدور الطينية فيها المبنية بشكل بدائي ومن المواد الأولية المتوفرة في كل مكان وكيف كانت السقيفة تنشئ من أعمدة الأشجار ومغطاة بأغصانها وخاصة نبات السيسبان وكانت جميع أرضية البيت ترابية وكان البيت صيفاً وَشِتَاء يحافظ على درجات الحرارة اللطيفة لعدم احتوائه على الحديد والأسمنت. وكانت حظائر الحيوانات داخل البيت نفسه بل في نهايته وهي مصدر مهم لمعيشة الفلاحين.

وهو يمسد لحيته تذكر بألم وحسرة كيف كانت حياة الألفة بين الجميع هي السائدة قيم وأخلاق عربية ونخوة وكرم وحسن ضيافة وحياة تعاون بين الجميع وتذكر أيضاً أيام ( الحشر ) أيام كانوا ينظفون مجرى النهر الصغير ( الساقية ) من منبعه من نهر دجلة مروراً بالقرية وأراضيها الزراعية ليوفروا انسياب المياه إلى مزروعاتهم، وكيف كانوا يرددون أغانيهم من الساعات الأولى للفجر إلى نهاية العمل.

وتذكر أيام البؤس والشقاء حيث كان الفلاح يكدح النهار بطولة وفي نهاية الموسم الزراعي قد لا يوفر له عمله إلا الشيء القليل. وتذكر كيف كانت تقام حفلات أعراس القرية حيث رقصة الجوبي ورقصة الساس والغناء الشعبي الريفي مصاحباً لها.

وتذكر بمرارة كيف كانت قريته تعيش دون ماء صافي وكهرباء وكيف كانت الشوارع الريفية الغير معبدة بالأسفلت.. ووسائط النقل الحديثة محدودة جداً. قارن ذلك كله بحياة يومه هذا والأيام التي سبقته قبل عشرين عاماً. كيف جرى التطور في قريته، بلطت الشوارع بالأسفلت وشيدت الدور بمواد البناء الحديثة وشبكة الكهرباء وشبكة المياه الصافي في كل منزل إضافة إلى خطوط الهاتف والخدمات الصحية وغيرها. وكيف أصبح الفلاح بعد هذه التغيرات لا يمتلك المواشي وبدل الاعتماد عليها في رزقه أصبح يشتري من الأسواق الدهن والحليب والأجبان والبيض، آهٍ لقد فقدنا الاكتفاء الذاتي آهٍ لقد فقدنا أشياء أهم من ذلك أيضا قالها الرجل الطاعن بالسن بألمٍ وحسرة ومرارة. لقد فقدنا العلاقات الطيبة مع الجيران وفقدنا مبادئ العمل الجماعي والنخوة والمساعدة فيما بيننا. هي ضريبة ندفعها بسبب التطور وأية ضريبة أصعب وأثقل علينا من هذه لقد خسرنا جزءاً مهماً من حياتنا وإنسانيتنا لقد خسرنا وجودنا وأصبحت العلاقات التي تحكمنا هي علاقات المادة والربح والخسارة لا علاقة الألفة والتعاون.

وخسرنا إنتاجنا الزراعي والحيواني وأصبحنا عبئاً على المدينة نشتري ما يشتريه سكانها.

أفزعه صوت نباح كلب قريب منه.. بل أيقظه من عزلته وصمته وعاد الرجل الطاعن بالسن إلى وعيه وهو يقول رحم الله أيام زمان.. رحم الله أيام زمان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر الأخبار