المقالات

اجابة على ما جاء بمقال السيدة سهام يوسف علي بقلم أ م د مهدي علي دويغر الكعبي 

اجابة على ما جاء بمقال السيدة سهام يوسف علي على موقع الاتحاد الديمقراطي الوطني ( العباءة الزينبية و\”بلاغة السوق\” في زمن التديّن السلطوي) للكاتبة سهام يوسف علي كتب بتأريخ : الخميس 05-06-2025 والذي يُمثّل نموذجًا واضحًا للخطاب الانتقائي المشحون إيديولوجيًا الذي يدمج بين المفاهيم بطريقة انفعالية تخلو من الاتساق المنهجي، ويمارس — وإن تظاهر بالنقد — نوعًا من العنف الرمزي الموجّه ضد شريحة مجتمعية بعينها بل ضد رمز من رموز الهوية الإسلامية المتجذرة وهو “العباءة الزينبية”.

 

بقلم الكاتب والمحلل الاكاديمي

أ م د مهدي علي دويغر الكعبي

التدريسي في الجامعة العراقية

 

🔹 أولًا – ازدواجية المعايير والتحامل الانتقائي .

الكاتبة — سهام يوسف علي — تتحدث عن رفض فرض الرموز على الأجساد ويقارن العباءة الزينبية بـ”نجمة داوود” النازية وهي مقارنة خاطئة من الأساس:

– نجمة داوود فُرضت لتمييز “عرق ديني” تمهيدًا لإبادته.

– أما العباءة الزينبية فهي زي محتشم تتخذه كثير من النساء بمحض إرادتهن وينتمي إلى ثقافة شعبية راسخة تُمارسها شرائح من العراقيات ليس فقط لرمزية زينب بنت علي (عليها السلام) بل لأن هذا الزي امتداد لنمط اجتماعي عربي-إسلامي عريق.

 

ما يُثير الريبة هو تجاهل الكاتبة لرموز أزياء أخرى ذات دلالات طائفية أو عرقية أو قومية (كالبشت الكردي، أو الشروال، أو الغطاء السرياني أو الأرمني) وكأن المشكلة حكرٌ فقط على زي يحمل دلالة شيعية هذا الانتقائية تكشف عن موقف عدائي غير معلن من الهوية الدينية الشيعية بذاتها لا من مبدأ “فرض الرموز” كما يُزعم.

 

🔹 ثانيًا – العباءة الزينبية كـرمز أصيل لا طائفي .

الخلط بين “الزي الزينبي” والهوية الطائفية تعبير عن سوء فهم للتراث العربي الإسلامي فالعباءة الزينبية بوصفها امتدادًا لرمزية السيدة زينب لا تنتمي لطائفة بقدر ما تنتمي لسياق إسلامي أوسع..

– السيدة زينب ليست رمزًا شيعيًا فحسب بل تمثل النموذج النسوي الإسلامي في الصبر، التحدي، والثبات أمام الظلم.

– رمزية العباءة الزينبية ليست مذهبية بل أخلاقية-تاريخية تُستحضر كتعبير عن الكرامة والثبات خاصة في بلد كالعراق خَبِرَ الظلم بأشكاله المتعددة.

 

من هنا فإن مهاجمة هذا الزي بهذه الحدّة السيكولوجية لا يُفسَّر إلا على أنه عدوان على ذاكرة جمعية إسلامية وليس على “قطعة قماش” كما يدّعي النص.

 

🔹 ثالثًا: إسقاطات نفسية على الجسد الأنثوي .

النص يقدّم قراءة مقلوبة .. يتهم القرار بـ”تسييس الجسد” في حين أنه هو ذاته يوظّف الجسد الأنثوي كشاشة عرض لإسقاطاته الإيديولوجية وهذا نمط شائع في خطابات ما بعد الحداثة التي تزعم التحرير لكنها تستبطن موقفًا مزدريًا من الخصوصيات الثقافية من وجهة نظر تحليلية..

– الكاتبة تُعبّر عن قلق من عودة “الرموز الدينية” للمجال العام لكن هذا القلق مقنّع بلبوس نسوي زائف.

– تظهر في النص نزعة علمانوية متطرفة ترى أن حضور الدين في الحيز العام تهديد تلقائي للحرية وهو موقف يتجاهل أن حرية الاعتقاد تشمل حرية المظهر الديني أيضًا.

 

🔹 رابعًا – العباءة كأداة مقاومة رمزية .

في علم النفس الرمزي والتحليل الثقافي فإن اللباس ليس مجرد قماش بل شيفرة دلالية تعكس تصوّرات الذات والعالم. والعباءة الزينبية — في هذا السياق — لم تكن يومًا زي استعباد بل كانت رمز مقاومة..

– ارتدتها النساء في انتفاضات العراق المختلفة وارتبطت بصور التضحية والثبات.

– وظّفها خطاب المقاومة كمضاد رمزي للفساد والانحلال لا كوسيلة للضبط أو القمع.

 

ومن هنا فإن ربطها بالنازية أو الأنظمة الشمولية يعكس إما جهلًا بالتاريخ الرمزي أو محاولة متعمّدة لتجريد المجتمع من أدواته الرمزية التي تمنحه مناعة ثقافية.

 

🔹 خامسًا – أين كانت الكاتبة حين فُرضت أزياء أخرى؟

تساؤل مشروع .. لماذا لا تُثار هذه الهستيريا عندما تُفرض أزياء غربية في مدارس أهلية أو يُمنع الحجاب في بعض المؤسسات؟ لماذا لا يُستنكر فرض “النمط الليبرالي” كمعيار للحداثة بينما يُجرّم مجرد مقترح باعتماد زي إسلامي كخيار رسمي؟

– هذه الانتقائية هي بحد ذاتها قمع وتكشف أن الاعتراض ليس على “الفرض”، بل على “من يُفرض” أي على الجهة الثقافية أو الدينية التي تقف وراءه.

 

✅ خلاصة تحليلية

 

الكاتبة — رغم تقديمها النص بلسان مدني علماني — مارست نوعًا من التحامل السيكولوجي الرمزي على مكوّن ديني-اجتماعي أصيل عبر أدوات خطابية تحمل طابعًا استعلائيًا على ثقافة المجتمع ومتخفية بادّعاء الدفاع عن الحريات.

 

هذا الخطاب لا يُعيد النقاش إلى مبدأ “حرية المرأة” كما يدّعي بل يُعيد المرأة إلى مرآة صراع أيديولوجي يتم فيه تسليع الجسد كمنصة رمزية سواء بالرفض أو بالقبول والعباءة الزينبية — بخلاف ما طرحته الكاتبة — ليست أداة قمع بل تعبير عن هوية ذاتية واعية تستمد من التاريخ ثباتها ومن الرموز كرامتها ومن زينب بنت علي صلابتها.

 

الهوامش والمصادر ..

١ – من الأغاني الشعبية العراقية المعروفة التي تغنّت بـ”عباية الأم” وتعكس رمزية العباءة في الوجدان الجنوبي خاصة في الريف والمدن المقدسة.

٢ – سورة الأعراف الآية 26.. ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾.

٣ – العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية – المادة 18.

٤ – الدستور العراقي – المواد 14 و42.

٥ – مقابلات ميدانية وتحقيقات إعلامية، العراق 2024–2025.

٦ – ديوان مظفر النواب، طبعة بغداد 2010.

٧ – صحف عراقية (المدى، الزمان، الصباح) – تقارير 2025.

٨ – تقرير هيومن رايتس ووتش حول الحريات الأكاديمية في العراق – 2023.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر الأخبار