الدوليةالمقالات

الشهيد ما يزال في الأسر منذ ستة عقود.بقلم الأديبة والمفكرة الدكتورة حكيمة جعدوني.

الشهيد ما يزال في الأسر منذ ستة عقود.بقلم الأديبة والمفكرة الدكتورة حكيمة جعدوني.

 

إكرام الميت دفنه…، ما تزال قضية استرجاع جماجم الشهداء الجزائريين تمثل جرحا نازفا في ضمير الأمة. فبعد أكثر من ثلاثة وستين عاما على الاستقلال، لا تزال جماجم أبطال الثورة الجزائرية محتجزة في متاحف دولة فرنسا المحتلّة،

وفي مقدمتهم قادة الكفاح الشعبي من ثوار جبهة التحرير الوطني، وغيرهم ممن حمّلوا أرواحهم مسؤولية الدفاع عن الوطن الأم.

 

تقدّمت المفاوضات عبر السنوات، وعادت خاوية على عروشها إلى تراب وطنهم، لكنّ السؤال الأعمق يظل قائما،

ما الذي حوّل قضية إنسانية بهذا الثقل إلى ملفّ قانوني وسياسي؟ وكيف ينحسر مطلب الدفن الكريم داخل نقاشات الاعتراف التاريخي، بينما ينسى البعد الإنساني والأخلاقي الذي يمثّل جوهر القضية أمام الجميع؟

 

أولئك الشهداء الذين ارتقوا فداء لحرية وطنهم، ينتظرون منذ أكثر من ستة عقود لحظة الكرامة الأخيرة. فهل هذا هو الجزاء لمن ضحّوا من أجل أجيال جبناء، أضحوا أحفاد الجزائريون القدماء الأشاوس؟ أين الأصوات التي تطالب بعودتهم؟ أين الحشود وأين المنظمات التي يفترض أن تهزّ ضمير العالم؟ أي صمت هذا الذي يطوّق رفات أبطال كان لهم فضل الحياة التي يحياها الجزائريون الجدد اليوم؟

استمرار وجود جماجم الأجداد في قبضة المستعمر الفرنسي يشير إلى حقيقة واحدة لا غير: استقلال الجزائر لم يكتمل بعد.

فحرية الوطن تتجسّد حين تستعاد رفات الشهداء ومن دافع عنها، فكيف تنعمون بحرية ناقصة؟!

حرّروا فورا رفات من حاربوا من أجلكم، وامنحوهم دفنا يليق بمكانتهم المشرّفة، كما منحكم نضالهم مساحة العيش الرغيد في وطن آمن.

 

لقد مرّ نصف قرن ويزيد، ولا يزال الموضوع يطرح نفسه: لماذا ترك شهداء الجزائر بلا دفن؟

أولاءك الشهداء الذين كانوا ولا يزالون المثل الأعلى لكل الشعوب العربية والإسلامية، ولكل ثائر ومناضل في العالم، أن تعامل رفاتهم كأنهم نسيا منسيا،

لم يكرموهم من أنعموا بالحرية من بعدهم حتى بالدفن، وراحوا يكرمون أبناء الشهداء بالمال والإمتيازات!!! لماذا يُكرم أبناؤهم بدعم مادي بينما تبقى جماجم الآباء رهينة، مهملة ومغتربة في متاحف الأعداء؟

هؤلاء هل هم حقا أبناء شهداء؟ كيف أنهم فكروا بالمال ولم يفكروا بدفن أباءهم الشهداء؟ لماذا لم يطالبوا بشتى الطرق وبالإضراب العام، لدفن أباءهم بدلا من المال؟ كيف ينسب أحدهم إلى شهيد وهو لا يحمل مطلب الدفن ويبقى يعيش في أرض أجداده الشهداء؟

أي تناقض هذا؟ كيف أن الجزائريون لم يدفنوا الشهداء وهم يتبجّحون بهم ويعتزّون بهم، ويرفعون بهم الرؤوس في كل المحافل، وفي المقابل لم يجرؤوا حتى على أن يطالبوا مواراتهم التراب، جزاءا على كل تضحياتهم. فأي نفاق هذا الذي يعيشه مجتمع يتباهى بشهدائه ويقف عاجزا عن منحهم أبسط حقوقهم الإنسانية وهو الدفن الكريم؟

 

حان الوقت لتسألوا أنفسكم بصدق، هل أنتم جديرون بتضحياتهم؟

 

ويزداد المشهد قتامة حين يقارن واقع الجزائريين بواقع غيرهم. فها هي إسرائيل تتحرك بكامل ثقلها الدبلوماسي وتخوض مفاوضات مكثفة، لاستعادة رفات جنودها خلال أشهر معدودة، تفعّل أدواتها السياسية والإعلامية في استنفار تام، وكل دبلوماسيتها على قدم وساق، تشعل مجتمعها من أجل جثمان واحد، وكأن قيمة الإنسان تتجسّد عندها في الوفاء لما بعد الموت.

وفي المقابل رفات شهداء الدين والوطن والكرامة في الجزائر ما زالت أسيرة منذ ثلاثة وستين عاما، معلّقة بين رفوف المتاحف الاستعمارية، تنتظر اللحظة التي يعود فيها أصحابها إلى تراب الوطن.

 

أي معنى لهذا التناقض؟ كيف تتمكّن دولة من استرجاع جندي سقط في معركة على أرض غير أرضه، بينما يظلّ شهداء الجزائر، أبناء الأرض والأصالة، أسرى في بلاد المحتل الفرنسي؟

أليس هذا مشهدا يستفزّ ضمير الأحياء ويطرح سؤالا مؤلما عن حقيقة قيمة التضحية في وجدان وضمير الأحياء؟

 

فالبلد الوحيد في العالم الذي رفات شهداءه لا يزالون عالقون وآسرى، ويحملون خصوصية موجعة في تاريخه هو الجزائر؛ رغم حجمه وطول أمده، حيث يجسّد حالة فريدة من انتهاك كرامة الشعوب بعد انتهاء الاستعمار. فرفات شهداء الجزائر الذين دافعوا عن أرضهم ما تزال محتجزة عند فرنسا،

والجالية الجزائرية تعدّ بالملايين في فرنسا ولم تسوّل لهم أنفسهم اقتحام المتحف واسترجاع رفات الجماجم، بدل التسكّع في الشوارع والتفاخر بالعيش مع الفرنسي على نفس الأرض.

أي عار هذا الذي يسجّله التاريخ؟!

مشهد كهذا يرتقي إلى مستوى الفضيحة الدبلوماسية والإنسانية!!!

 

يقدر عدد جماجم شهداء المقاومة الجزائرية المحتجزة في فرنسا بنحو 18 ألف جمجمة، تتركز في متحف التاريخ الطبيعي في باريس، وقد أُعيد منها 24 إلى الجزائر في عام 2020.ولكن تم التعرف على هوية 6 منهم فقط، والباقي كان مجهول الهوية،

أُرسلت هذه الجماجم كغنائم حرب بين عامي 1843 و1850، وكان يتم استخدامها في الماضي للتباهي، وهي تُمثل رمزاً للممارسات الاستعمارية.

 

تظهر الأرقام التاريخية لشهداء الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية (1962-1830) تباينا كبيرا بين المصادر، ويعود هذا الاختلاف بشكل رئيسي إلى تباين نطاق الفترة الزمنية التي تغطيها كل إحصائية.

 

فبينما تشير تقديرات الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان وباحثين مثل جاك جوركي ومحمد الحسن زغيدي إلى أن إجمالي الضحايا عبر الفترة الاستعمارية بأكملها (132 عاما) قد يصل إلى حوالي 9 أو 10 ملايين نسمة، وذلك في محاولة لاحتساب ضحايا المقاومات الشعبية المتكررة والمجاعات والمجازر طوال تلك الحقبة، نجد أن الرأي الرسمي للدولة الجزائرية يركز على حرب التحرير (1962-1954) فقط، ويُعتمد فيه رقم مليون ونصف المليون شهيد.

 

من جهة أخرى، تقدم بعض الدراسات والمصادر الفرنسية تقديرات مختلفة لحرب التحرير ذاتها، حيث تقدر عدد القتلى الجزائريين من مدنيين وعسكريين خلالها بنحو 250,000 قتيل، معتمدة في ذلك على السجلات والتقديرات الديموغرافية لتلك الفترة.

 

وبالتالي، فإن الفجوة الكبيرة بين الأرقام مثل الفرق بين 1.5 مليون و10 ملايين تعكس اختلافا في المنهجية ونطاق الدراسة، حيث أن التقدير الأعلى يشمل كامل فترة الاستعمار منذ الغزو وحتى الاستقلال، والتي شملت أحداثا كبرى مثل مجزرة سطيف وقالمة وخراطة عام 1945، بينما يقتصر الرقم الرسمي على سنوات حرب التحرير المباشرة.

•••

The martyr has been in captivity for six decades.

 

By writer and intellectual Dr. Hakima Djadouni.

 

To honor the dead is to bury them… Yet, the issue of reclaiming the skulls of the Algerian martyrs remains a bleeding wound in the nation’s conscience. More than sixty-three years after independence, the skulls of the heroes of the Algerian Revolution are still held in the museums of the colonial French state,

foremost among them the leaders of the popular struggle from the National Liberation Front fighters, and others who took upon their souls the responsibility of defending the homeland.

 

Negotiations have proceeded over the years, only to return empty-handed to their homeland’s soil. But the deeper question remains:

What transformed a human issue of such weight into a legal and political file?

How has the demand for a dignified burial shrunk into debates about historical recognition, while the human and moral dimension, which represents the core of the issue for all to see, is forgotten?

 

Those martyrs who ascended, sacrificing themselves for their country’s freedom, have been waiting for over six decades for their final moment of dignity.

Is this the reward for those who sacrificed themselves for generations of cowards, who have become the descendants of the valiant Algerians of old? Where are the voices demanding their return?

Where are the crowds, and where are the organizations that are supposed to shake the world’s conscience?

What manner of silence is this that encircles the remains of heroes to whom the new Algerians owe the very life they live today?

The continued presence of our ancestors’ skulls in the grasp of the French colonizer points to one truth and one truth only: Algeria’s independence is not yet complete.

The freedom of the homeland is embodied when the remains of its martyrs and defenders are recovered, so how can you enjoy an incomplete freedom?!

Immediately free the remains of those who fought for you, and grant them a burial worthy of their honorable status, just as their struggle granted you a life of ease in a secure homeland.

 

Half a century and more has passed, and the question still poses itself: Why have Algeria’s martyrs been left without burial?

Those martyrs who were, and still are, the ultimate example for all Arab and Islamic peoples, and for every revolutionary and freedom fighter in the world – that their remains are treated as if forgotten and neglected!

Those who were graced with freedom after them did not honor them even with burial, and instead went on to honor the children of the martyrs with money and privileges!!! Why are their children honored with material support while the skulls of the fathers remain hostage, neglected, and exiled in the museums of the enemies?

Are these truly the children of martyrs? How could they think of money and not think of burying their martyr fathers? Why didn’t they demand by all means, including a general strike, the burial of their fathers instead of money? How can someone claim lineage to a martyr while not championing the demand for his burial and continues to live on the land of his martyr ancestors?

What contradiction is this? How is it that Algerians have not buried the martyrs while they boast of them, take pride in them, and hold their heads high because of them in all forums, yet on the other hand, they haven’t even dared to demand their interment in the earth, as a reward for all their sacrifices? What hypocrisy is this that a society, which boasts of its martyrs, lives in, standing incapable of granting them their most basic human right: a dignified burial?

 

The time has come to ask yourselves honestly: Are you worthy of their sacrifices?

 

The scene grows darker when comparing the reality of Algerians to that of others. Look at Israel: it moves with its full diplomatic weight and engages in intensive negotiations to recover the remains of its soldiers within a matter of months. It activates its political and media tools in a state of total alert, with its entire diplomacy in full swing, it ignites its society for the sake of a single body, as if the value of a human being is embodied, for them, in faithfulness beyond death.

In contrast, the remains of the martyrs of faith, homeland, and dignity in Algeria have been captive for sixty-three years, suspended on the shelves of colonial museums, waiting for the moment their owners return to the soil of the homeland.

 

What is the meaning of this contradiction? How is a state able to recover a soldier who fell in a battle on land not his own, while the martyrs of Algeria, sons of the land and authenticity, remain prisoners in the land of the French occupier?

Is this not a scene that provokes the conscience of the living and raises a painful question about the true value of sacrifice in the hearts and consciences of the living?

 

Algeria is the only country in the world whose martyrs’ remains are still stuck and held captive, bearing a painful specificity in its history; despite the scale and duration of its struggle, it embodies a unique case of violating peoples’ dignity after the end of colonization. The remains of Algeria’s martyrs who defended their land are still held by France,

and the Algerian community numbers in the millions in France, yet none have found it in themselves to storm the museum and reclaim the skulls, instead of loitering in the streets and boasting about living with the French on the same land.

What disgrace is this that history records?!

A scene like this rises to the level of a diplomatic and humanitarian scandal!!!

 

The number of skulls of Algerian resistance martyrs held in France is estimated to be around 18,000, concentrated in the Natural History Museum in Paris. Only 24 of them were returned to Algeria in 2020, and only 6 were identified, the rest remaining anonymous.

These skulls were sent as war trophies between 1843 and 1850, were used in the past for boasting, and represent a symbol of colonial practices.

 

Historical figures for Algerian martyrs during the colonial era (1830-1962) show significant disparity between sources, and this difference is primarily due to the variation in the time frame covered by each statistic.

 

While estimates from the Algerian League for Human Rights and researchers like Jacques Georgy and Mohamed El-Hassen Zghidi indicate that the total number of victims across the entire colonial period (132 years) may reach about 9 or 10 million people, in an attempt to account for the victims of repeated popular resistances, famines, and massacres throughout that era, we find that the official stance of the Algerian state focuses solely on the War of Liberation (1954-1962), relying on the figure of one and a half million martyrs.

 

On the other hand, some French studies and sources present different estimates for the War of Liberation itself, estimating the number of Algerian dead, both civilian and military, during that period to be around 250,000, relying on records and demographic estimates from that time.

 

Consequently, the large gap between the figures, such as the difference between 1.5 million and 10 million, reflects a difference in methodology and the scope of study, where the higher estimate includes the entire colonial period from the invasion until independence, which included major events like the massacres of Sétif, Guelma, and Kherrata in 1945, while the official figure is limited to the years of direct liberation war.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار