في مدينتي التعيس بقلم الكاتبة الروائية ھدى حجاجي أحمد

في مدينتي التعيس بقلم الكاتبة الروائية ھدى حجاجي أحمد
في مدينتي التعيسة…
المدينة التي تتوكأ على ظلّ النخيل،
وتسند نفسها كل صباحٍ على ما تبقّى من صبر أهلها،
يخرج شاعرٌ غريب الملامح،
لا يعرف أحد من أين جاء،
ولا لماذا يبدو صوته أكبر من سنواته.
كان الناس يرونه كل فجرٍ يقف عند أطراف السوق،
يمدّ يده نحو الهواء
كما لو أنه يلتقط شيئًا لا يراه غيره.
ثم يبتسم ابتسامة خفيفة،
كأن العالم منحه سرًّا صغيرًا
يرفض أن يبوح به.
قيل إنه شاعر،
وقيل إنه مجنون،
لكن البنات كنّ يعرفنه أكثر من الجميع؛
فكلما مرّ بهنّ،
كان يلتقط من ضحكاتهنّ
بقايا الطمأنينة،
يرتبها بين أصابعه كأنها خرزٌ ملون،
ثم يمضي ليهديها للمتعبين.
كان يزور البيوت التي خفُت منها الفرح،
يدقّ الباب بخجل،
وكلما فُتح له،
يلقي جملة صغيرة تشبه الدواء:
“لا شيء ينتهي… حتى ما نظن أنه انتهى.”
ثم يترك خلفه أثرًا لا يُرى،
لكن يلمسه كل من في الداخل.
المدينة كانت تعرف أنها تعيسة،
لكن وجوده جعلها أقل انكسارًا،
كأن شاعرًا واحدًا
كان كافيًا لردّ الهزيمة عن مئات الوجوه.
وذات مساء،
حين كان الغروب يمسح آخر ضوء عن النخيل،
رآه الناس يقترب من النهر،
يجلس على حجرٍ كبير
ويكتب شيئًا على الماء.
لم يقترب أحد…
فالشفاء يحتاج صمتًا.
وفي الصباح التالي،
استيقظت المدينة على صوتٍ جديد،
ليس صوت شاعر،
بل صوت مدينةٍ
وجدت لنفسها سببًا صغيرًا للحياة.
ومنذ ذلك اليوم،
صاروا يقولون:
لم تكن مدينتنا تعيسة…
كانت فقط تنتظر أحدًا
يجمّع لها الطمأنينة من ضحكات بناتها،
ويهديها للقلوب التي أرهقها الطريق.
—
بقلم الكاتبة الروائية ھدى حجاجي أحمد

