الفساد عقيدة حكم .. حين تُسرق الدولة باسم الله ويُصادَر الوطن باسم الصمت .بقلم: أ.م.د مهدي علي دويغر الكعبي

الفساد عقيدة حكم .. حين تُسرق الدولة باسم الله ويُصادَر الوطن باسم الصمت .بقلم: أ.م.د مهدي علي دويغر الكعبي
الثلاثاء ١٦ كانون الأول ٢٠٢٥
رأي وتحليل
لم يعد الفساد خللًا إداريًا عابرًا ولا انحرافًا مؤقتًا يمكن احتواؤه بإجراءات ترقيعية بل غدا عقيدة حكم متكاملة ومنظومة سياسية – اقتصادية متجذّرة تمارسها أحزاب السلطة ومسؤولوها وعوائلهم بوصف المال العام حقًا مشروعًا لا يُسأل عنه ولا يُحاسَب عليه بل يُغلَّف بغطاء ديني فجّ يُسوّغ النهب تحت مسميات “الأمانة” و”المشيئة الإلهية” و”الابتلاء”.
في بلد العرب تُسرق الدولة باسم الله ويُطلب من الشعب الصمت باسم الوطن وحين يُطحن المواطن بالفقر أو يُحاصر بالجوع أو تُنهك كرامته بانهيار الصحة والتعليم والخدمات لا يسمع من الطبقة الحاكمة سوى خطاب تخديري مكرور “هذا ابتلاء من عند الله” وكأن البطالة قرار سماوي وكأن خراب البنى التحتية قضاء محتوم وكأن سرقة الموازنات العامة قدر لا علاقة له بصفقات الأحزاب وتقاسم الغنائم.
الأخطر من الفساد ذاته هو إنكار وجوده فلا مسؤول يقف ليصارح الناس بسبب فشل الدولة ولا جهة تعترف بأن مشاريع التنمية والحرية والرفاه تحوّلت إلى شعارات موسمية تُستخرج عند الحملات الانتخابية ثم تُعاد إلى الأدراج بعد تقاسم المناصب. في عرف هذه السلطة السؤال جريمة والمساءلة تهديد والبحث عن الحقيقة خروج على “التوافق”.
وفي هذا البلدان الاسلامية العجيبه نادرًا ما نجد سياسيًا يحمل همّ المجتمع بصدق فالشعب حاضر في خطاباتهم غائب في قراراتهم هو مادة للاستهلاك السياسي لا شريك في الدولة نُهب رزقه ثم نُهبت معاناته حتى بلغ الفساد أدق تفاصيل الحياة اليومية. جبايات تُفرض على المتسولين وعلى العاملات في الدعارة وعلى مواقف السيارات وعلى الأسواق الشعبية وعلى الباعة المتجولين وحتى عند إشارات المرور حيث يُبتز الفقراء الذين يمسحون زجاج السيارات دول بأكملها تحوّلت إلى شبكة جباية والسلطة فيها لم تعد خدمة عامة بل مشروع استثمار خاص.
أما النزاهة فقد أُفرغت من معناها وتحولت إلى أداة انتقائية تُشهر في وجه الضعفاء وصغار الموظفين وتُغلق في وجه الكبار وأصحاب القرار أولئك الذين تُحمى ملفاتهم بالحصانة الحزبية وبالتوافقات السياسية وبالتبادل المنظم للصمت.
وفي المقابل نرى السياسي ذاته شرسًا صلبًا مقاتلًا حين يتعلق الأمر بالدفاع عن كتلته أو حزبه أو حاشيته لكنه يصبح أخرس حين تُنتهك حقوق الناس وأعمى حين يُنهب المال العام وأصمّ حين يصرخ الجائع. هكذا يُدار الحكم اليوم .. دولة بلا محاسبة وسلطة بلا مسؤولية ودين يُستَخدم لتبرير السرقة ووطن يُطلب من أبنائه الصبر على من ينهبه.
وما لم تُكسَر هذه المعادلة المختلّة فلن يكون السؤال لماذا فشلنا؟ بل .. كيف سُمح لهذا الفشل أن يتحول إلى نظام حكم؟
إن أخطر ما يهدد الدولة اليوم ليس الفساد وحده بل التطبيع معه والتعايش معه والسكوت عنه بوصفه “أمرًا واقعًا”. فالدول لا تنهار حين يسرق الفاسدون بل حين يصمت الشرفاء وحين تُختطف الدولة ولا يجد المواطن من يدافع عنها.
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بخطابات المناسبات ولا بوعود الانتخابات بل يبدأ بكسر منظومة الإفلات من العقاب وفرض مبدأ المحاسبة دون استثناء من أعلى الهرم إلى أدناه وبإعادة تعريف المال العام على أنه حق مقدس للشعب لا غنيمة للأحزاب.
إن استعادة الدولة في هذة الدول العربية تتطلب موقفًا وطنيًا جريئًا موقفًا من النخب الأكاديمية ومن الإعلام الحر ومن القضاء المستقل بوصفه صمام الأمان ومن كل صاحب ضمير حي لفضح الفساد وتسمية الأشياء بأسمائها ورفض تحويل الدين إلى ستار للنهب والوطن إلى ذريعة للصمت.
وعلى الشارع أن يدرك أن الحقوق لا تُمنح بل تُنتزع بالوعي والقانون وبالضغط السلمي المنظم وبرفض إعادة إنتاج الوجوه ذاتها التي أوصلت البلاد إلى هذا الانسداد التاريخي. فالإصلاح ليس انقلابًا بل إرادة جماعية تُعيد للدولة معناها وللسياسة شرفها وللمواطنة قيمتها.
وإن لم يبدأ هذا المسار اليوم فإن كلفة الغد ستكون أعلى ولن يدفعها الفاسدون بل سيدفعها الوطن وأجياله القادمة فاليوم لا يحتاج خطباء جدد بل يحتاج دولة تُحاسِب وسلطة تخضع وشعبًا لا يصمت.