السياسيةالمقالات

العدالة الوظيفية المفقودة.. بين خطاب التوازن المجتمعي وواقع التستر على الفساد  بقلم: أ.م.د. مهدي علي دويغر الكعبي

العدالة الوظيفية المفقودة.. بين خطاب التوازن المجتمعي وواقع التستر على الفساد

بقلم: أ.م.د. مهدي علي دويغر الكعبي

الأحد ٢١ كانون الأول ٢٠٢٥

رأي وتحليل

خراب الإدارة .. ثقافة الفساد الجديدة التي تنهش جسد الدولة من الداخل

 

بعد حروب طاحونة وتضحيات جسام بدت للعراق فرصة تاريخية لإعادة بناء نسيجه الوطني وكسر منطق التفرقة الذي غذّته قوى خارجية سعت لتمزيق المجتمع وإضعاف الدولة وفي خضم تلك المرحلة برهنت روح الانتماء الوطني على قوتها ليدخل البلد ـ نظرياً ـ مرحلة جديدة عنوانها .. وحدة المصير وإعادة إعمار مؤسسات الدولة.

 

غير أن التحدي الأكبر لم يعد يحمل طابعاً عسكرياً أو أمنياً، بل تحول إلى اختبار إداري ـ سياسي تتجسد ملامحه في ثقافة فساد جديدة أكثر تعقيداً وخبثاً. فباسم “الوحدة الوطنية” و”التوازن المجتمعي” جرى احتكار المناصب القيادية والإدارية من قبل نخب فاسدة تمارس تدميراً ناعماً .. ترفع شعارات وطنية جامعة، بينما تحمي في الخفاء منظومات الفساد وتُداميها.

 

وتعتمد هذه الثقافة على آلية محكمة حيث يتذرع المسؤول الفاسد بمراعاة التوازن الطائفي أو القومي لتعيين شخصيات ضعيفة مهنياً وإدارياً في مواقع حساسة وهكذا يظهر القرار وكأنه يُحقق انصافاً مجتمعياً، لكنه في الحقيقة يُحوّل المناصب القيادية إلى أدوات لتوقيع العقود المشبوهة وإبطال دور الرقابة. وتتكرر هذه الآلية بتواطؤ بين مختلف الانتماءات مما يؤكد أن المشكلة ليست في مكون بعينه بل في عقلية الفساد العابرة للهويات.

 

والأخطر من ذلك، أن هذه الآلية أفضت إلى إقصاء الكفاءات العلمية والمهنية الحقيقية لأن وجودها يهدد شبكات المصالح غير المشروعة وهكذا تحولت مؤسسات الدولة إلى فضاءات يُدار بالضعف المقصود، وبالمحاصصة الشكلية بدلاً من العدالة الوظيفية.

 

لقد أبدع الفاسدون في حماية امتيازاتهم لكنهم لم يقدموا إنجازاً واحداً يوازي حجم الموارد المهدرة أو حجم التضحيات المقدمة ومع ذلك، فإن الوعي المجتمعي اليوم بات أقدر على كشف هذه الآليات الخادعة وهو وعي يشكل بارقة أمل إذا اقترنت بإرادة مؤسسية وقانونية تعيد الاعتبار للكفاءة وتميز بين الشراكة الوطنية الحقيقية وبين ذرائع الفساد المقنّع.

 

إن بناء الدولة بعد العاصفة لا يكتمل بإسكات صوت السلاح فحسب بل يبدأ حين يُكسر احتكار الفاسدين للمناصب وتُعاد الثقة إلى فكرة الإدارة كخدمة عامة لا كغنيمة سياسية إنها المعركة المصيرية للعراق الجديد: معركة الكفاءة في مواجهة الضعف المُتعمّد والوطنية الصادقة في مواجهة العصبية المقنّعة وإرادة الشعب الواعية في مواجهة آليات الفساد العابرة للهويات.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار