المقالات

حين يصبح الصمتُ لغةً أخيرة بقلم: هويدا حجاجي أحمد

حين يصبح الصمتُ لغةً أخيرة بقلم: هويدا حجاجي أحمد

ليس الصمت دائمًا علامة رضا، ولا دليل حكمة كما اعتدنا أن نُجمِّله في العبارات الجاهزة. أحيانًا يكون الصمتُ اعترافًا أخيرًا بالعجز، وانسحابًا هادئًا من معركة خاضها الإنسان طويلًا بالكلمات… ولم ينتصر.

 

نصمت حين نُدرك أن الشرح لم يعد يُنقذ الموقف، وأن الكلمات—مهما كانت صادقة—تفقد معناها عندما تُقابل بآذان لا تُنصت وقلوب مشغولة بتبرير ذاتها. نصمت لأننا تعبنا من إعادة الفكرة ذاتها بصيغ مختلفة، ومن الدفاع عن مشاعر كان يُفترض أن تكون بديهية.

 

في العلاقات الإنسانية، الصمت لا يأتي فجأة. يسبقه ضجيج طويل من المحاولات: حوارات لم تكتمل، عتاب مؤجل، وأسئلة بقيت معلّقة في الهواء بلا إجابة. وحين يصل الإنسان إلى الصمت، يكون قد قال كل شيء بالفعل… لكن بلا صوت.

 

المؤلم في الصمت أنه لا يُلفت الانتباه كما تفعل الصرخات. لا يوقظ الضمائر، ولا يُربك الطرف الآخر فورًا. لكنه ينسحب ببطء، كضوءٍ يغادر الغرفة دون أن نلاحظ العتمة إلا بعد فوات الأوان. وحين نلتفت، نكتشف أن العلاقة صارت فراغًا، وأن الكلمات التي لم تُقال في وقتها صارت عديمة الجدوى.

 

نحن لا نصمت لأننا بلا رأي، بل لأن رأينا لم يُحترم. لا نصمت لأننا بلا إحساس، بل لأن الإحساس استُهلك حدّ الإنهاك. الصمت هنا ليس ضعفًا، بل آخر أشكال القوة… القوة التي تختار السلام الداخلي بدل استنزافٍ لا نهاية له.

 

وربما أخطر ما في الصمت أنه يُعيد ترتيب الداخل. يعلّمنا من يستحق الشرح، ومن لا يستحق حتى السؤال. يضع حدًّا للعطاء المجاني، ويكشف لنا بوضوح أن بعض المسافات ليست خسارة، بل نجاة.

 

حين يصبح الصمت لغةً أخيرة، نكون قد غادرنا الضجيج، لا انتصارًا عليه، بل حفاظًا على ما تبقّى منا.

 

✍️ بقلم: هويدا حجاجي أحمد

 

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار