قصة قصيرة:الوفاءِ…. بقلم د. وليد زيدان اللهيبي..جمهورية العراق

قصة قصيرة: د. وليد زيدان اللهيبي.. العراق
الوفاء
تعودت أن تنظر من شباك غرفتها في الطابق العلوي من الدار التي تسكنه تنظر إلى حديقة جارتها حيث كانت حديقة جميلة كبيرة تضم أنواع مختلفة من الزهور والنباتات، كانت تمتع نظرها بهذا المنظر الجميل ألا ركن واحد كان يثير فيها الحزن والكآبة حيث يوجد فيه شجرة كبيرة يابسة جرداء كان منظرها يثير هذه الفتاة حين تنظر إليها ويذكرها بصورة مأساوية حيث يوحي لها أن هناك جثة هامدة وسط باقي الأحياء وكانت الفتاة تستغرب من تصرف جارتها المرأة الطاعنة بالسن حيث كانت تحمل دلو الماء وتسقي هذه الشجرة الميتة التي لا أمل فيها بأن تنمو من جديد.
استغربت الفتاة كثيراً من هذا السلوك اليومي لجارتها في شيء لا أمل فيه للحياة. وكانت تردد في نفسها أما آن لهذه المرأة العجوز أن تكلف الحدائقي ليقلع هذا الجذع الميت لتكتمل جمالية حديقتها.
كانت المرأة العجوز تضع طاولة معدنية وكرسيين معدنيين على مسافة قريبة من هذه الشجرة الميتة المتيبسة وكان يحلو لها أن تجلس كل يوم عصراً هناك حيث مكانها المفضل أمام تلك الشجرة وكانت مدبرة المنزل تجلب لها قدحين من الشاي المثلج في إناء من الاستيل معد لهذا الغرض وكانت العجوز ترتشف شايها المثلج هذا رشفة رشفة وهي تنظر إلى المكان الخالي أمامها وترفع رأسها قليلاً لتنظر إلى الشجرة المتيبسة ويطول بها الوقت وهي تنظر إليها، وتهطل من عينيها دمعتان ساخنتان تصل إلى تجاعيد وجنتيها الذابلتين. يوم بعد يوم ازداد فضول الفتاة واستغرابها من هذا التصرف اليومي لهذه العجوز وبدأت الفتاة تردد جمل لا تدري أيها أقرب للحقيقة مرة تنعت العجوز بالجنون وأخرى تنعتها بعدم الوعي وثالثة بعدم التمييز بين الأخضر واليابس، دفعها فضولها للتقرب من العجوز وزيارتها لتعرف الحقيقة وراء ذلك كله. أسرعت الفتاة إلى خزانة ملابسها وارتدت أجمل الأشياء كما وأنها أتمت وضع مكياجها بشكل يظهر جمالها واستخدمت عطرها المميز وكان هدفها في كل ذلك أن تظهر للمرأة العجوز أنها في قمة الحيوية والصبا.
لم تستغرق من الوقت كثيراً حين نزلت ومشت في الشارع ووصلت دار جارتها، مدت يدها إلى زر الجرس الكهربائي وسحبت يدها مسرعة قبل أن تلامسه لأنها تذكرت أن التيار الكهربائي قد قطع قبل قليل.
طرقت الباب بلطف وانتظرت طويلاً وإذا بمدبرة المنزل تأتي وتفتح لها الباب.
تبادلتا التحايا وأخبرتها بأنها تريد زيارة جارتها، أوقفتها المدبرة لكي تستأذن من سيدة القصر، كانت الموافقة على دخولها. ألقت الفتاة التحية على المرأة العجوز وردت عليها جارتها بالمثل وطلبت منها الجلوس.
– قالت العجوز ما بك يا ابنتي كل يوم تنظرين إلى حديقتنا.
– قالت الفتاة خجلة لقد لفت نظري منظرها الجميل ألا تلك الشجرة خلفي واستغرب من تصرفكِ اتجاهها كل يوم تسقيها وتجلسين أمامها تحتسين الشاي.
ردت العجوز عليها يا بُنتي أنا أعرف أنك كنتِ تقولين لِمَ لا تقلع هذه الشجرة الميتة اليابسة فلا رجاء بها ولا روح.
– قالت الفتاة بعد أن احمرت وجنتاها خجلاً كأنكِ تقرئين أفكاري يا جدتي.
– إجابتها العجوز أن لهذه الشجرة قصة وفيها ذكرى لا تموت رغم موت الشجرة.
دفع الفضول الفتاة لتعرف هذه القصة قائلة يا جدتاه لقد شوقتيني لسماعها.
أردفت العجوز تقول يا أبنتي في الشهر الأول من زواجنا جلب زوجي هذه الشجرة وزرعناها معاً هنا في هذا المكان وكنا نهتم بها ونرعاها وحين كبرت بعد عدد من السنين حفرنا على جذعها حروف اسمينا وتاريخ زراعتها وكان ذلك قبل أكثر من أربعين عاماً. وكنا أنا وزوجي رحمه الله نحتسي شاينا المثلج، ولازلت أنا إلى اليوم اجلس في نفس المكان كما ترين ولازلت أرعى هذه الشجرة لأنها رفيقة عمرنا وتحمل قصة زواجنا، أَعْرِفتي السبب يا بنيتي.
– قالت الفتاة أنا آسفة يا جدتي إنه الفضول الذي لدي دفعني إلى ذلك.
– قالت العجوز وأنا يا ابنتي الوفاء الذي عندي لزوجي المرحوم دفعني إلى ذلك.
فانصرفت الفتاة خجلة من تطفلها تردد في نفسها لن أعود للتطفل مرة أخرى أبداً.

