لم أقتنع… لأن العراق لم يعد يشبه نفسه بقلم أ م د مهدي علي دويغر الكعبي
الكاتب والمحلل الأكاديمي

لم أقتنع… لأن العراق لم يعد يشبه نفسه بقلم أ م د مهدي علي دويغر الكعبي
بقلم الكاتب والمحلل الأكاديمي
أ م د مهدي علي دويغر الكعبي
تدريسي في الجامعة العراقية
في زمنٍ تُعلّق فيه الصور وتُحذف الحقائق، تجرّأت على أن أقول … لم أقتنع.
لم أقتنع بكتابٍ كتبته وزارة ولا بمناهج نُقّحت على يد بيروقراطي لم يذق جوع المدن ولا سمع وجع الأمهات في الأزقة المكتومة.
لم أقتنع لأن الوطن الذي كُتب لي على غلاف الكتاب غني بالنفط لكن أمي كانت تطبخ على الحطب.
قالوا إن بلدي مهد الخيرات فوجدته يستجدي الخبز.
قالوا إن أبناء الوطن متساوون في الحقوق فذهبتُ إلى المدرسة بحذاءٍ ممزق ودفترٍ من تبرعات جمعية لا تملك غير الدعاء.
كتبت لا لأنني حر بل لأنني مقهور.
أنا كاتبٌ خرج من مرارة السجن بأوراقٍ دامعة وأكاديمي لم يتعلّم من أفواه الكبار بل من وجع السؤال وصدق الصمت في عيون الأطفال.
كتبت عن وطنٍ لم يعد يشبه نفسه لا في الملامح ولا في الصوت ولا حتى في الألم.
يتحدثون عن “عزّة الوطن” . وهم يتبرّعون بالملايين لسوريا ويغدقون على لبنان دعمًا لرئيسٍ اعتذر من قدسيتهم ويمدّون يد العطاء لرئيس فلسطين النائم فوق رماد شعبه.
لكن العراق؟
العراقُ يُركن في زاوية النسيان يلعق جراحه ويُجلد بدل أن يُكافأ.
لقد أصبحت المفارقة مذهلة .
من يتحدث باسم الله يسرق باسمه .
ومن يزعم نصرة الوطن يطعنه من خاصرته .
ومن يطالبنا بالصمت… يبيع صوتنا في مزاد السياسة.
صفع المعلّمُ تلميذه لأنه لم يكتب الدرس .
فقال الطفل. “لم أقتنع” .
هذا الطفل يشبهنا:
ولد في وطنٍ يعلّمه المديح ويجلده إن صدق.
ما عاد يكفينا أن نقارن الحاضر بجحيم قريب،
نحن لا نقارن اليوم بصدام بل بعليّ بن أبي طالب حين كانت العدالة تقف مع المظلوم لا مع الحاكم،
حين كان القصر خيمة والكرسي أمانة والكلمة موقف لا إعلان.
فهل يُعقل أن يكون الماضي أكثر عدالةً من الحاضر؟
هل الزمن خذلنا؟ أم أن الفاسدين هم من لبسوا وجه الوطن وسرقوا صوته وتاريخه؟
أنا لم أقتنع.
وسأظل أكتب
لا لأدوّن التاريخ بل لأصرخ فيه.
لا لأمجّد وطنًا ورقيًّا بل لأفضح كيف صار الورق أداة تزوير.
يا وطني
لا تلمني إن تأخرت عن درسٍ لم أؤمن به.
علّمني الحقيقة أولًا ثم اسألني عن الكتابة.
أعطني وطنًا لا أستحي من اسمه حين أملأ استمارة
ودفترًا لا يحمل ختم تبرعات،
ومدرسة لا ينهار سقفها في الشتاء.
أعطني عراقًا يشبه العراق،
ثم سلني هل اقتنعت؟ هل كتبت؟
سأكتب
لكن لا بالحبر
بل بالدم
والصرخة
والصدق.
نحن لا نقارن بماضٍ مجرمٍ ملعون
بل بماضٍ مجيدٍ سجد فيه العدالة لعليّ بن أبي طالب علية السلام
حيث لم تكن هناك قصور بل كانت هناك قلوب عامرة بالحق
وحيث كانت الكلمة موقفًا لا دعاية انتخابية.
نحن نقيس وطننا بأيام حمورابي لا حفاة الفاسدين،
نقيسه بعقل علي الوردي لا جهل الساسة،
بلغة سامي المظفر لا ضجيج الجهلة
وبعلم غازي فيصل لا جهل المستشارين.
فهل يُعقل أن يَكون الماضي أكثر عدالةً من الحاضر؟
أم أن الزمن لم يتغير وإنما الفاسدون هم من لبسوا وجوه الوطن وسرقوا صوته؟
يا وطني لا تلمني إن لم أكتب درسي.
أنا لم أقتنع.
ولن أقتنع حتى يعود العراق لأبنائه،
حتى تصبح الخيمة مدرسة والدمعة راية والكتاب وطنًا نعيشه لا كذبة نقرؤها.
فقل لي… بأي قلمٍ أكتب؟
والمداد من دمي،
والكلمة صرخة،
والصمت خيانة. أيها المعلم… درسك عقيم.
وأيها الوطن… كتابك صار يحتاج إلى مراجعة لا إلى قراءة. ….نعم الكلمة مقاومة.
ولهذا كتبت.
والسلام على من لم يقتنع بما قرأ.