الثقافة والفن

علّمني الشعر .. بقلم..بعلي جمال شاعر

علّمني الشعر .. بقلم..بعلي جمال شاعر

لم أولد شاعرًا، ولم أدخل الشعر من باب المهارة، بل من باب الحاجة إلى لغةٍ تحتمل أسئلتي. وحين ضاقت اللغة المألوفة عن التعبير، فتحت لي قصيدة النثر مساحتها، لا تمرّدًا على الشكل، بل بحثًا عن صدقٍ لا تحكمه القوالب.

 

قرأت في المتن العربي القديم؛ من المتنبي، الذي علّمني أن الكبرياء لا يقتصر على القول، بل يقوم على الصدق مع النفس، إلى أبي تمام، الذي كشف لي قوّة اللغة حين تتشابك مع المعنى، وصولًا إلى القاضي الجرجاني، الذي علّمني كيف تتحوّل البلاغة إلى وعي. هناك أدركت أن الشعر ليس زخرفًا لغويًا، بل وسيلة لفهم العالم والذات معًا.

 

ثم انتقلت إلى الشعر الحديث، حيث اكتشفت أن القصيدة لم تعد إجابة، بل سؤالًا مفتوحًا. تأثّرت بنزار قباني، لا بروحه الرومانسية فحسب، بل بجرأته في مواجهة القوالب الاجتماعية، وبتوفيق الحكيم في قدرته على النظر إلى المدينة والإنسان بعينين متوازيتين: شفقةٍ وفهم، وبدر شاكر السيّاب، الذي جعلني أشعر بالوطن حتى حين انهار من حولي. هؤلاء الشعراء لم يعلّموني كيف أكتب فقط، بل كيف أرى، وكيف أجعل اللغة نافذة على الروح والضمير.

 

في «جديلة الظل» كتبت عن التداخل بين ما أنا عليه وما أخشاه، مستلهمًا من المتن القديم رؤية الظل شرطًا لوجود الضوء. وفي «الرصيف يزهر بالأغنيات» اقتربت من صوت الشارع والإنسان العادي، متأثّرًا بروح نزار قباني وبدر شاكر السيّاب والبيّاتي، فاكتشفت أن القصيدة قد تنبت على رصيفٍ متعب، وأن الجمال قد يكون فعل مقاومة صامتة.

 

أمّا «ديستوبيا مدينة يحتويها الغبار» فكانت مواجهةً مباشرة مع الخراب، الخارجي والداخلي معًا. هنا ذكّرتني قراءتي لأدونيس بأن الشعر قادر على مساءلة الميتافيزيقيا دون أن يفقد جماله، وأن الشاعر معنيّ بنقل الحقيقة، لا بتقديم عزاءٍ زائف.

 

ما غيّر رؤيتي حقًا هو إدراكي أن الشعر ليس مهارة تُتقن، بل مسؤولية تُحمل، وأن القراءة ليست تراكمًا معرفيًا، بل تهذيبٌ للذائقة والوعي. كل شاعر قرأته أضاف سؤالًا، وكل قصيدة صادقة دفعتني لأن أكون أقل يقينًا، وأكثر إنصاتًا. وحين اكتشفت سركون بولص وأمجد ناصر، ازداد يقيني بالشعر، وبقصيدة النثر على وجه الخصوص.

 

أكتب قصيدة النثر لأنني أؤمن بأن الحرية شرط الرؤية، وأن الشكل حين يتحوّل إلى قيد يفقد معناه. أكتب لأنني، قبل أن أكون شاعرًا، إنسانٌ يسعى إلى الصدق، أقل قسوة، وأكثر وعيًا بنفسه وبالعالم.

 

هذه ليست سيرة مكتملة، بل أثر قراءة، وصدى تجارب، ومحاولة دائمة للتهذيب… بالشعر.

 

بعلي جمال شاعر

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار