المقالات

الجبرتي شخصية لن تتكرر 👇 بقلم/محمد مصطفى كامل 

الجبرتي شخصية لن تتكرر 👇

بقلم/محمد مصطفى كامل

الجبرتي.. مؤرخ مصر الذي كتب الحقيقة في زمن العواصف

في زمنٍ كانت فيه مصر تمر بأشد مراحلها اضطرابًا، ظهر رجل لم يحمل سيفًا ولم يقُد جيشًا، لكنه امتلك سلاحًا أخطر وأبقى أثرًا… القلم. إنه المؤرخ الكبير عبد الرحمن الجبرتي، الذي وثّق أدق تفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية في مصر خلال أواخر العصر العثماني والحملة الفرنسية وبدايات حكم محمد علي.

نشأته وتكوينه العلمي

وُلد عبد الرحمن بن حسن الجبرتي عام 1753م في القاهرة، ونُسب إلى قرية “جَبَرت” في الحبشة، موطن أجداده. نشأ في بيت علم وفضل، فوالده كان من كبار علماء الأزهر. تلقّى علومه في الأزهر الشريف، وبرع في الفقه والتاريخ واللغة، واكتسب ثقافة واسعة أهلته ليكون شاهدًا أمينًا على عصره.

شاهد على الحملة الفرنسية

عندما دخلت الحملة الفرنسية مصر عام 1798م بقيادة نابليون بونابرت، لم يكن الجبرتي مجرد مراقب للأحداث، بل كان محللاً ناقدًا يسجل كل ما يراه بعين العالم الأزهري والمواطن المصري.

كتب عن دخول الفرنسيين القاهرة، وعن تعاملهم مع المصريين، وعن مقاومتهم الشعبية، كما وثّق ثورة القاهرة الأولى والثانية. وكان واضحًا في نقده لسلوك الفرنسيين، لكنه في الوقت نفسه أشار إلى بعض مظاهر التقدم العلمي والإداري التي جاءوا بها، في رؤية متوازنة تُظهر أمانته العلمية.

أهم مؤلفاته

أشهر كتبه على الإطلاق هو:

“عجائب الآثار في التراجم والأخبار”

وهو موسوعة تاريخية ضخمة أرّخ فيها لأحداث مصر عامًا بعام، وسجل فيه أخبار العلماء والحكام والعامة، مما جعله مرجعًا أساسيًا لفهم تلك المرحلة الدقيقة من تاريخ مصر.

كما كتب:

“مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس”

“مدة الفرنسيس بمصر”

موقفه من محمد علي

لم يكن الجبرتي مؤرخًا يكتب لإرضاء الحكام، بل كان صريحًا في نقده. وقد انتقد بعض سياسات محمد علي باشا، خاصة ما تعلق بالتضييق على العلماء وإقصائهم عن الحياة العامة.

وتذكر المصادر أن ابنه خليل الجبرتي قُتل في ظروف غامضة، ويُقال إن ذلك كان بسبب انتقاده للسلطة، وهو ما أثّر في نفسية الجبرتي بشدة وأدى إلى عزلته في أواخر حياته.

لماذا يُعد الجبرتي مهمًا اليوم؟

لأن الجبرتي لم يكتب فقط تاريخ الحكام، بل كتب تاريخ المجتمع:

رصد أحوال الناس

وثّق الأسعار والأزمات

سجّل الثورات الشعبية

وصف الحياة اليومية بدقة نادرة

إنه يمثل نموذج المؤرخ الشاهد، الذي لا يخشى تدوين الحقيقة، حتى لو كانت مُرّة.

رحيله وإرثه

توفي عبد الرحمن الجبرتي عام 1825م، لكنه ترك إرثًا تاريخيًا لا يزال يُدرَّس ويُرجع إليه الباحثون حتى اليوم. ولو لم يكتب الجبرتي، لفقدنا جزءًا كبيرًا من ذاكرة مصر في مرحلة فاصلة من تاريخها.

ختامًا:

لم يكن الجبرتي مجرد مؤرخ، بل كان ضمير عصره. كتب بقلمه ما عجزت السيوف عن حفظه، فخلّد اسمه في سجل التاريخ، وبقيت كلماته شاهدًا على أن الحقيقة قد تُحاصَر… لكنها لا تموت.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار