الدعاياتالمقالات

شخصية_اليوم: علي تونسي حاورته سمية معاشي

حاورته سمية معاشي 

📍#شخصية_اليوم: علي تونسي

( سبتمبر 1937 – فبراير 2010)

 

#علي_تونسي كان من بين الذين عملوا على إعادة تنظيم وتحديث جهاز الأمن الوطني بعد الاستقلال، وبرز دوره بشكل خاص خلال قيادته له في العشرية السوداء، ضمن مسار جماعي شارك فيه عدد من الكفاءات الوطنية.

 

ولد في مدينة متز (Metz ) الفرنسية من أسرة جزائرية كان ربّها نقيبا متقاعد ممن جندتهم فرنسا في مرحلة معينة، وينحدر من مدينة سيدي عيسى بولاية مسيلة.

 

أصبح علي تونسي عضوا في الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين حيث شارك في إضراب 1956، ثم التحق في سنة 1957 بصفوف الولاية التاريخية الخامسة، وتلقى تكوينا بالمدرسة السياسية الإدارية ليتخرج ضمن دفعة الشهيد العربي بن مهيدي.

 

حمل إبان الثورة اسم الغوثي، وعمل حينها في جهاز الاستعلامات و #الأخبار التابع لوزارة التسليح والاتصالات العامة للحكومة المؤقتة، “المالغ”، بمنطقة الغرب.

 

في سنة 1959 وكان برتبة ملازم وقع أسيرا خلال اشتباك بمنطقة سيدي بلعباس، ولم يطلق سراحه إلا بعد أن تحصلت الجزائر على استقلالها الوطني سنة 1962، والتحق بعدها مباشرة بمصالح المخابرات العسكرية حيث كان من مساعدي العقيد قاصدي مرباح ورفيقا ليزيد زرهوني (وزير الداخلية في عهد الرئيس عبد العزيز بو تفليقة) وآخرين، وكان من العناصر التي ساهمت في عملية 19 جوان 1965، والتي اعتبرت عملية تصحيح ثوري ويعتبرها انقلابا بدون أن يأخذ بعين الاعتبار النتائج الإيجابية لها.

 

أشرف على إنشاء وتنظيم مصالح الأمن العسكري، وهو المنصب الذي تولاه إلى غاية سنة 1980، ثم شغل منصب مدير الرياضات العسكرية إلى غاية سنة 1984 ومديرا للمدرسة العسكرية لعلوم مساحات الأرض حتى سنة 1986، وشغل منصب رئيس الاتحادية الجزائرية للتنس لمدة خمس سنوات ونائبا لرئيس اللجنة الأولمبية الجزائرية.

 

تقاعد برتبة عقيد سنة 1988 ، ومُنح وسام الاستحقاق العسكري للجيش الوطني الشعبي في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد.

 

عُيّن في مارس 1995 في عهد الرئيس اليمين زروال مديرا عام الأمن الوطني خلال خلال العشرية السوداء (بتعبير ويكيبيديا) ومباشرة بعد توليه المنصب باشر جملة من الإصلاحات في منظومة التكوين من أجل تحسين الأداء، وقد تمكن خلال فترة ولايته (وطبقا لنفس المصدر) من رفع عدد الأفراد المنتسبين للأمن الوطني ورفع حصة التوظيف السنوي إلى عدّة آلاف، كما فتح الباب أمام عدد هامّ من الجنس النسوي للانضمام للجهاز.

واغتيل في يوم الخميس 25 فبراير 2010 على يد مسؤول وحدة عتاد الطيران بجهاز الشرطة العقيد ولطاش شعيب.

 

ولم تعرف على مستوى الكافة كل الظروف والمعطيات التي تتعلق بتلك العملية التي تمت في مكتبه بالمديرية العامة للأمن الوطني بباب الوادي.

 

وقبل أن أروي انطباعات صديقه الدكتور محيي الدين عميمور

 

أحب أن أوضح أنني احترمت رغبة المتحدث في أمرين، أولها ألا أسأله إلاّ عن الشخصيات التي عرفها عن قرب، والثاني ألاّ أطلب منه أي تقييم إيجابي أو سلبي للشخصية المعنية، وأن يكون محور حديثه التركيز على الجوانب الإنسانية لها، وخصوصا بالنسبة للمجاهدين وللشخصيات السامية والعسكرية والتي لا يرى المواطن منها غالبا إلّا الصورة الجامدة أو المتجهمة، متناسين أن الشخصية مهما كانت مسؤولياتها هي بشر أولا وقبل كل شيئ، ومن هنا لاحظت اهتمامه باستعراض الجوانب المرحة والتصرفات اللاإرادية.

 

وقال في هذا الصدد: هدف هذا الباب الذي تفاعلت معك لاستكماله هو التذكير بشخصيات رحلت وكان لها دور بنّاء فيما حققته الجزائر، وأنا أعرف أن مع الإيجابيات هناك سلبيات، فهم بشر، لكنني أركز حديثي عن الإيجابيات احتراما لرفقة النضال وأترك الحديث عن السلبيات لمن يريد حيث يريد.

 

وأتذكر تعبيرا قاله لي الوالد الشيخ الهلالي عميمور قبل وفاته: من يعطّر المجالس بذكرى الرجال الذين هم في رحاب الله يناله من العِطر شيئ، والعكس صحيح.

 

وبالنسبة لشخصية اليوم قال سي عميمور:

 

من الطبيعي أن كثيرين لا يعرفون الكثير عن العقيد علي تونسي المعروف باسم سي الغوثي، وشحّ المعلومات عنه من أهم العناصر التي يتصف بها رجال المخابرات بصفة عامة، وفي الجزائر بصفة خاصة.

 

ولعل من ملامح الجيل العظيم أن صحافيا شابا سألني عن الولاية التي ينتمي لها الغوثي وأجبته بأنني لا أعرف، وهو صديق أكثر من نصف قرن، لأننا لم نألف في جيلنا طرح أي أسئلة عن المنشأ والمولد والأصل العائلي، بل إنني لم أعرف حتى الآن حقيقة لقب “تونسي”.

 

ولقد تعرفت به خلال عملي في #البحرية الوطنية ولم أسأله يوما عن تفاصيل عمله ولا عن أصوله الجغرافية، وكل ما كنت اعرفه عنه أنه عاش سنوات من عمره في المغرب، وأن أسرته استقرت في مدينة عنابة، التي تنتمي أسرة والدته لها، وتعرفتُ بأخيه مصطفى الذي كان من رجال الثورة.

 

وكان أول ما لفت انتباهي هو شخصيته المرحة وتعليقاته الفكاهية.

 

أتذكر يوما أن حديثنا تناول العقيد محمدي السعيد، وهو مجاهد عريق ضخم الجسم انتمى إلى الولاية الثالثة التاريخية وارتبط يوما بالجيش الألماني، ولعله ورث منه صلابته وشدته، وعُرف بتدينه الشديد الذي دفعه يوما إلى الهتاف صارخا “Vive Rabbi “.

وروى لي الغوثي ما لا أعرف إن كان مجرد نكتة أو أمرا حدث بالفعل، ويقول أنه التقى العقيد في الأيام التي تلت 19 جوان 1965 فانهال على الغوثي باللوم والتقريع على دوره في التخلص من الرئيس أحمد بن بله.

 

ويقول لي الغوثي أنه لم يجد ما يبرر به ما تمّ القيام به إلا أن يقول للعقيد الغاضب بأن سبب عزل بن بله أنه كان يُصلّي بدون وضوء.

 

وها يجيبه العقيد العملاق الذي فتر غضبه، قائلا حسب روايته: عملتو مليح كي نحّيتوه.

 

وأتذكر أننا دُعينا في منتصف الستينيات للذهاب إلى فرندة لحضور حفل زواج العقيد (اللواء بعد ذلك) العربي بلخير، وكان ذلك قبل مرحلة الرئاسة بكل ما كان فيها.

 

وهكذا رافقني الغوثي في سيارتي، التي ظل يذكر رقمها إلى آخر سنوات عمره بعد أن كدت أنا أن أنساه.

 

وعند مدخل ولاية تيارت أصر أن نخترق طريقا مهجورا لنصل قبل حلول الظلام، وبالفعل دخلت في “البيست”، وانزلقت بي السيارة، ووجدت نفسي بين نارين، أن أتركها تسقط في منحدر علي يميني أو أن أصطدم بجبل على اليسار، وقررت في ثوان معدودة أن الاصطدام أسلم، وضاع وقت في محاولة إصلاح جناح السيارة الأمامي حتى لا يضغط على العجلة لنتمكن من مواصلة الطريق.

 

وفي فرندة، استقبلنا الجميع، ومن بينهم عائلة العروس، بكل محبة وترحيب، وإذا بالغوثي يروي قصة اصطدامي بالجبل ويقول مخاطبا العربي بصوت مرتفع سمعه جميع من في القاعة: عندما تقرر الزواج مرة أخرى فلتفعل ذلك في العاصمة لكيلا نضطر إلى اختراق المجاهل مع سائق محدود الخبرة مثل الدكتور.

ويمكن أن نتخيل ردّ الفعل على السامعين.

 

وتوثقت معرفتي بالغوثي حتى بعد ان غادرت البحرية، وحوّلتُ شقتي في شارع أول نوفمبر إلى عيادة طبية، حيث كان يأتيني في نهاية اليوم بعد إنتهاء عمله العسكري لنتوجه معا إلى نادي الكورنيش الشهير حيث نلتقي الرفقاء ونتناول معًا طعام العشاء.

وأتذكر يوما جاءني وكان آخر من كنت أستقبلهم جاري عبد القادر نور الذي كان يستعد لأداء فريضة الحج، وكان عليّ أن أقوم بتطعيمه باللقاح المفروض، وكانت عبارة عن حقنة مزعجة في الكتف.

 

وفضّل الغوثي أن يرافقنا في غرفة الفحص، وجلس على مكتبي في حين جلس عبد القادر على كرسيّ معكوس وقد نزع قميصه، ورحت أنا أُعِدّ الحقنة، وإذا بجرس الهاتف ينطلق فيمسك الغوثي بالسماعة وأسمعه يقول :نعم، هنا عيادة “فلان”.

 

ويبدو أن الطرف الآخر تصور، من الصوت الذي سمعه، أنه أخطأ في رقم المكالمة، فأغلق الخط، لكن الغوثي واصل الحديث وكأنّ المتحدث ما زال هناك، وسمعناه يقول: نعم، ماذا تريد بالضبط، تقول أنك ابن السيد الذي أعطيناه أمس حقنة اللقاح، ماذا؟، تقول إنه مات؟، يرحمه الله.

 

وقبل أن يعيد سماعة الهاتف كان عبد القادر قد قفز واقفا ليضع قميصه على كتفيه ويفر نحو باب العيادة، بينما ينفجر الغوثي ضاحكا وأنا أحاول إقناع الهارب بأن رفيقنا كان يمزح.

 

ولا يمكن أن أنسى الرسالة التي بعث بها لي عندما عُينت وزيرا للثقافة والاتصال قائلا “وأخيرا “، وكأنه كان يرجو ذلك التعيين، وقد كانت رسائله الأمنية لي خلال هذه الفترة الوحيدة من نوعها وذات فائدة هامة ليفي استكشاف مجاهل هضبة القبة.

 

وتنتهي حياة الغوثي برصاصات غادرة، وأتذكر يوم الوداع الأخير في “العالية”، وأسمع المدير العام الأسبق للأمن الوطني الهادي لخذيري، يقول بصوت يخنقه التأثر الشديد: كان هو الجامع (Le rassembleur) .

 

ولم يكن الهادي مبالغا، لأنني كنت، في كل المرات التي لبيت فيها دعوة الغوثي للمشاركة في احتفال تقيمه مديرية الأمن الوطني، أيام فيلا “إيدلس”، كنت أجد جلّ الرفاق الذين تعاقبوا على إدارة الأمن الوطني في مكان الصدارة، حيث كان يحرص على دعوة الجميع إلى احتفالات الشرطة ويضع صورهم في مدخل مكتبه.

 

ويردد اللواء خالد نزار وزير الدفاع الأسبق تعبيرا مشابها وهو يقول لي: هكذا نفقد خامسنا، وكان يقصد المجموعة التي كانت تضمنا نحن الثلاثة مع النقيب محمد تواتي والسفير عبد الرحيم ستوتي، وكان الغوثي هو المكلف بتنظيم لقاءاتنا، والحريص على أن ننتقل، بعد أن نتعشى سويا في الكورنيش، #نادي_الضباط، لنكمل السهرة في شقتي المتواضعة في شارع أول نوفمبر، قبل أن أجعلها عيادة طبية.

 

توفي علي تونسي في مكتبه، حيث أفنى سنواته في العمل. غير أن النهايات المأساوية لا تمحو أثر البدايات الثورية، ولا تلغي مسارا امتدّ من ساحات النضال إلى دواليب القرار.

 

رحم الله الغوثي وكل من سبقنا إلى دار البقاء.

_______

حاورته سمية معاشي

الصور من ألبوم ذكريات الدكتور عميمور

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار