القريحة: ماءُ اللغة حين ينبثق من باطن الروح: بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

القريحة: ماءُ اللغة حين ينبثق من باطن الروح:
بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.
ليست القريحة في جوهرها موهبةً عارضةً تهبط على الشاعر هبوط الصدفة، ولا هي زخرفٌ لفظيٌّ يكتسبه بالتدرّب وحده، بل هي الملكة التي بها يقول الشعر؛ أي الطاقة الخفيّة التي تتحوّل فيها اللغة من أداةٍ إلى كائنٍ حيّ، ومن أصواتٍ متراصّة إلى نبضٍ يفيض بالمعنى. إنها ذلك الموضع الذي تتلاقى فيه الفطرة بالخبرة، والوجدان بالعقل، والذاكرة بالحدس.
وأصل اللفظة في العربية يكشف عن سرّها الدلالي العميق؛ فالقريحة مأخوذة من أوّل ما يبدو من ماء البئر عند حفرها. وهذا الاشتقاق ليس مجرد علاقةٍ لغوية، بل رؤيةٌ أنطولوجية للخلق الشعري نفسه. فكما أن ماء البئر لا يُصنع بل يُكتشف، كذلك الشعر لا يُختلق اختلاقاً، وإنما يُستخرج استخراجاً من باطن النفس. الحفّار لا يخلق الماء، إنما يزيل الحجب عنه؛ والشاعر كذلك لا يبتدع المعنى من عدم، بل يرفع عنه ركام الصمت والعادة.
إن القريحة إذن ليست كثرة القول، بل صفاء المنبع. فكم من شاعرٍ امتلك علماً بالعروض والبيان، غير أن شعره بقي بارداً كالماء الراكد؛ لأن القريحة لم تتفجّر فيه. وكم من شاعرٍ فاضت عبارته بالحياة لأنه أصاب عين الماء الأولى. فالملكة الشعرية تبدأ حين تصبح اللغة امتداداً للتجربة لا قناعاً لها.
والبئر في المخيال العربي رمزٌ للعمق والصبر؛ إذ لا يُنال ماؤها بضربةٍ واحدة، بل بحفرٍ طويلٍ في طبقات الأرض. وكذلك القريحة: لا تظهر إلا لمن حفر في ذاته، ونقّب في ذاكرته، واحتمل عناء الإصغاء إلى ما لا يُقال. فالشاعر الحقيقي حفّارُ المعاني، يطرق صخور اللغة حتى يسمع خفق الماء تحتها.
غير أنّ الماء الأول لا يكون غزيراً دائماً؛ فقد يرشح قليلاً ثم ينقطع إن لم يُصن مجراه. ولهذا كانت القريحة تحتاج إلى رعايةٍ بالقراءة والتأمل والمعرفة. فالموهبة التي لا تُغذّى تتحوّل إلى جفافٍ بطيء، كما أن البئر إذا أُهملت ردمها الطمي. الثقافة هنا ليست بديلاً عن القريحة، بل هي القناة التي تسمح لها بأن تجري دون أن تضيع في الرمال.
ومن أسرار القريحة أنها لا تعمل تحت الإكراه؛ فهي تنفر من الصنعة المتكلّفة كما ينفر الماء من الحواجز المصطنعة. فإذا صار الشاعر أسيراً للمحاكاة أو لطلب الإعجاب، انحبس المعنى في حلقه. أما إذا صدق مع تجربته، انفتحت اللغة عليه كما تنفتح الأرض على المطر.
ولذلك كان الشعر العظيم أقرب إلى الاكتشاف منه إلى الصناعة؛ إذ يشعر الشاعر أحياناً أن القصيدة تُقال به أكثر مما يقولها هو. إنها لحظة توافقٍ بين الداخل والخارج، بين الإيقاع الكامن في النفس والإيقاع الجاري في العالم. عندها تصبح القريحة شبيهة بالنبع: لا تُسمع ضجته في البداية، لكنها تملأ الوادي حين تستقر.
والكاتب الذي يدرك معنى القريحة لا يسرف في التعقيد ولا يلوذ بالابتذال؛ لأنه يعلم أن البلاغة ليست تضخيم العبارة، بل إصابة المعنى في موضعه. فاللغة المقعّرة تخفي ضعف الماء، واللغة المبتذلة تبدّده، أما اللغة الصادقة فهي التي تسمح له بأن يجري صافياً.
هكذا تبدو القريحة: ماء اللغة الأول، إذا تفجّر صدق الشعر، وإذا جفّ صار القول صدىً بلا حياة. إنها سرّ الشاعر الذي لا يُعلَّم تعليماً كاملاً، لكنه يُصان بالمعرفة، ويُهذَّب بالوعي، ويظلّ ـ في نهاية الأمر ـ هبةً تشبه الماء حين يخرج من أعماق الأرض: نقياً، قديماً، ومحمّلاً بأسرار الطريق الذي قطعه قبل أن يصل إلى الضوء.