منوعة

روح القانون في مواجهة جمود النص: مأساة مخصصات الخدمة الجامعية تبحث عن منقذ

روح القانون في مواجهة جمود النص: مأساة مخصصات الخدمة الجامعية تبحث عن منقذ

البروفيسور غازي فيصل والحقيقة الضائعة:ك رسالة إلى صناع القرار لإنقاذ هيبة القانون

 

بقلم الأستاذ المساعدالدكتور والحقوقي

مهدي علي دويغر الكعبي

رأي وتحليل

 

منذ أن وطئت قدماي أروقة القانون الإداري أدركتُ أن هذه المهنة لا تقوم على حفظ النصوص فحسب بل على استيعاب روح التشريع ومقاصده المستمدة من إرادة الأمة فالقانون ليس حروفاً جامدة وإنما منظومة قيم تحكمها غاية العدالة وحسن انتظام المرافق العامة وفي زمن تتكاثر فيه التأويلات ويعلو فيه اللغط تتأكد الحاجة إلى علماء راسخين يجتهدون في بيان الحقيقة وإيصالها بوضوح إلى صناع القرار.

في هذا السياق يبرز البروفيسور الدكتور غازي فيصل بوصفه أحد الأصوات العلمية الرصينة؛ إذ حمل همّ القانون والدستور، فكان لساناً للحق ومفسراً لأصول القانون الإداري ومساهماً في صناعة المعرفة وتخريج أجيال من المختصين. إن دوره لم يقتصر على التنظير المجرد بل تعداه إلى قراءة دقيقة للنصوص في ضوء غاياتها الدستورية ومقتضيات المصلحة العامة.

وعلى الضفة الأخرى، يقف مستشارو مكتب رئيس الوزراء أمام مسؤولية لا تقل جسامة، إذ إن واجبهم يقتضي صون حقوق العلماء وضمان سلامة التطبيق القانوني، بعيداً عن الارتباك أو التضارب في التفسير. ومن هنا يثور السؤال الجوهري: هل تحوّلت مخصصات الخدمة الجامعية إلى مسألة ملتبسة على مجلس الوزراء، أم أن الإشكال يكمن في قراءة غير مكتملة لنص قانوني نافذ لا يحتمل هذا القدر من التباين؟

عندما يكون النص واضحاً، فإن الأصل هو الالتزام به دون تحميله ما لا يحتمل من تأويل. فسيادة القانون تقتضي أن تسمو دلالاته على الاجتهادات المتعجلة، وأن تُفهم أحكامه في إطارها الدستوري الصحيح. غير أن ما حدث في شأن مخصصات الخدمة الجامعية أوجد مساحة من الإرباك الإداري.

فقد صدر القرار (40) لسنة 2026 مشترطاً التفرغ للتدريس لصرف هذه المخصصات، ثم أعقبه قرار آخر أجاز منحها لمن يُكمل النصاب ويصدر أمر بتفرغه، وحجبها عمن لا يتفرغ أو لا تتوافر فيه شروط عضو الهيئة التدريسية وفق قانون وزارة التعليم العالي والبحث العلمي. وبين هذين القرارين، برزت فجوة تفسيرية أفرزت تساؤلات دستورية وإدارية حول مدى الاتساق مع النصوص النافذة، ومبدأ المساواة، وحسن تطبيق القانون.

 

إن معالجة هذه المسألة لا تتطلب تعدد القراءات بقدر ما تحتاج إلى توحيدها في ضوء النص وروحه، بما يضمن استقرار المراكز القانونية لأعضاء الهيئات التدريسية ويحفظ هيبة القرار الإداري ضمن إطار الشرعية.

 

 

الرأي الأول: .. قرارات متضاربة ومخصصات غامضة

نقول بادئ الرأي: إن مخصصات الخدمة الجامعية قد غُمَّت (بضم الغين) على مجلس الوزراء وجيش المستشارين فيه ولهذا صدرت قرارات متباينة بشأنها لم تُصب كبد الحقيقة. فالقرار (٤٠ ) لسنة ٢٠٢٦ اشترط لصرفها التفرغ للتدريس ثم جاء القرار الأخير ليمنحها للتدريسي الذي يُكمل النصاب ويُصدر أمر بتفرغه، وتُحجب عن التدريسي غير المتفرغ، وكذلك عن من لا تتوافر فيه شروط عضو الهيئة التدريسية كما وردت في قانون وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.

هذا التضارب في القرارات يضعنا أمام إشكالية قانونية وإدارية تتطلب وقفة جادة من أجل تجلية الغموض وإبراز الحقائق القانونية كالشمس الساطعة في رابعة النهار. وإليكم الملاحظات الآتية:

 

أولاً: تعريف موظف الخدمة الجامعية بين النص القانوني والاجتهاد الحكومي

عرّفت المادة (١ / ثالثاً) من قانون الخدمة الجامعية لسنة ٢٠٠٨ المعدل موظف الخدمة الجامعية بأنه:

“كل من يقوم بممارسة التدريس الجامعي والبحث العلمي والاستشارات العلمية والفنية أو العمل في ديوان وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ومؤسساتها ممن تتوافر فيه شروط عضو الهيئة التدريسية المنصوص عليها في قانون وزارة التعليم العالي والبحث العلمي رقم (٤٠ ) لسنة ١٩٨٨ أو أي قانون يحل محله”.

وقد بحثت المواد (٢٥ و٢٦ و٢٧ و٢٨ ) من القانون المذكور شروط عضو الهيئة التدريسية بدءاً من المدرس المساعد وانتهاءً بالأستاذ. والمستفاد من هذه النصوص أن كل من يحمل شهادة الماجستير أو الدكتوراه ويُعين في ديوان وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أو مؤسساتها يُعد موظف خدمة جامعية بقوة القانون.

وبناءً على ذلك، فإن ما ذهب إليه قرار مجلس الوزراء من وجود موظفي خدمة جامعية لا تتوافر فيهم شروط عضو الهيئة التدريسية هو قول غير دقيق من الناحية القانونية. فالقانون واضح في هذا الشأن، ولا مجال للاجتهاد في تفسيره بما يخالف نصوصه الصريحة.

 

ثانياً: .. تعليمات هيكل عمل عضو الهيئة التدريسية والنصاب الأسبوعي .

هناك تعليمات هيكل عمل عضو الهيئة التدريسية الصادرة برقم (٧٢ ) لسنة ١٩٩٣ والتي لا تزال نافذة المفعول حيث حددت نصاب المدرس المساعد أسبوعياً بـ (١٤ ) ساعة والمدرس بـ (١٢ ) ساعة والأستاذ المساعد بـ (١٠ ) ساعات والأستاذ بـ ( ٨ ) ساعات. والنصاب يشمل التدريس النظري والتدريس العملي والإشراف على الرسائل والأطاريح والأعمال الإدارية وغيرها.

وهذا يعني أن التدريسي لا يتفرغ للتدريس فقط، بل يُكلف بأعمال أخرى تُحتسب ضمن النصاب. ومع ذلك، فإن المادة (٧ / رابعاً) من قانون الخدمة الجامعية تشترط لصرف مخصصات الخدمة الجامعية أن يتفرغ التدريسي ويُصدر أمر بذلك وهنا يبرز التساؤل: ..كيف يمكن الجمع بين شرط التفرغ وبين تكليف التدريسي بأعمال إدارية وأخرى تدخل ضمن النصاب؟

 

ثالثاً: .. المفارقة في صرف المخصصات بين الموظفين .

إذا كان استحقاق مخصصات الخدمة الجامعية مرهوناً بإكمال النصاب وصدور أمر بالتفرغ، فإن موظفي الخدمة الجامعية غير المتفرغين لا يستحقون هذه المخصصات. وفي المقابل، نجد أن الموظفين الفنيين يستحقون مخصصات بنسبة ١٠٠ % من الراتب استناداً إلى المادة (١٤ / أولاً) من قانون الخدمة الجامعية، والموظفين الإداريين يستحقون مخصصات بنسبة ٧٥% من الراتب استناداً إلى البند (ثانياً) من نفس المادة.

 

بل إن حملة الشهادات العليا في الوزارات الأخرى يستحقون مخصصات بنسبة ٥٠ % من الراتب، بينما نظراؤهم في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي غير المتفرغين لا يستحقون شيئاً. فهل يقبل العقلاء بهذه النتائج؟ أليس هذا يعد خرقاً لمبدأ تكافؤ الفرص الذي نصت عليه المادة (١٦ ) من الدستور والذي يوجب المساواة في المعاملة بين الموظفين ذوي المراكز القانونية المتماثلة؟

 

الخلاصة: .. دعوة لإنصاف موظفي الخدمة الجامعية .

إن المقارنة التي عقدناها ليست الغاية منها الدعوة لحجب المخصصات التي مُنحت للموظفين المذكورين، بل هي من أجل إنصاف موظفي الخدمة الجامعية غير المتفرغين فالمساواة أمام القانون ليست مجرد شعار، بل هي حق دستوري يجب أن يتحقق على أرض الواقع.

إن على اللجنة التي نص قرار مجلس الوزراء على تشكيلها لوضع تعليمات لتنفيذه أن تراعي ما ذكرناه وتنبه مجلس الوزراء إلى القصور في القرار لا أن تردد أحكامه كما هي. ونحن على استعداد لتقديم دراسة مفصلة إلى مجلس الوزراء تضمن التطبيق السليم لأحكام القانون وتعطي كل ذي حق حقه، فلا يُظلم أحدٌ فتيلاً.

 

وفي النهاية …

يبقى الأمل معقوداً على أمثال البروفيسور غازي فيصل، الذين يجتهدون ليل نهار من أجل إرساء دعائم العدالة القانونية ويبقى السؤال معلقاً في الأذهان: .. هل يستجيب مجلس الوزراء لهذه النداءات أم تبقى مخصصات الخدمة الجامعية لغزاً يحير العقول؟

والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.

 

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار