منوعة

شذرة  بقلم الأديب عماد خالد رحمة _ برلين. 

شذرة  بقلم الأديب عماد خالد رحمة _ برلين.

 

الأمُّ ليست امرأةً تُجيدُ مهارةً أو تُحسنُ صنعةً، بل هي المعنى حين يتجسّد في هيئة يدين.

كانت يداها تعرفان الطريق إلى الجوع قبل أن ينطق، فتخبزان من القمح طمأنينةً، ومن الملح ذاكرةً لا تفسد. وإذا تمزّق ثوبي رتّبت خيوطه كما يُرتّب القدرُ مصادفاتِه الرحيمة، فلا يعود النسيج كما كان فحسب، بل يصير أكثر احتمالاً للحياة.

كانت تصلح الأشياء بصمتٍ يشبه صلاةً طويلة؛ تُعيد للكرسيِّ توازنه، وللباب صوته الهادئ، وللمساء دفأه، كأن العالم في غيابها يتصدّع قليلاً ثم يلتئم حين تلمسه. غير أنّ أعظم ما كانت تُتقنه لم يكن في المطبخ ولا في صندوق الإبر، بل في تلك الحرفة السرّية التي لا تُدرَّس: إصلاح القلوب.

حين ينكسر داخلي كانت لا تسأل كثيراً؛ تضع يدها على كتفي كما يضع الزمنُ حكمته على كتف الإنسان المتعب، فيهدأ الضجيج. كانت تعرف أنّ بعض الجراح لا تحتاج دواءً بل حضوراً، وأنّ الكلمة قد تعجز حيث تنجح لمسةٌ واحدة. فكنت أخرج من صمتها أصلح ممّا دخلت، كأنّها تخيط شقوق الروح بخيطٍ غير مرئي.

الآن، حين أكبر أكثر مما ينبغي، أدرك أنّ البيوت لا تقوم على الجدران بل على امرأةٍ تعرف كيف تُرمّم ما لا يُرى. وأنّ العالم، بكل ما فيه من ضجيجٍ وفلسفات، ما يزال يبحث عن يدٍ تُجيد الطبخ كي لا يجوع، والخياطة كي لا ينكشف، والحنان كي لا ينكسر.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار