شاهدا على العصر.عبد الرحمن الجبرتي… شاهدٌ على عصرٍ يُولد من بين الركام

شاهدا على العصر.عبد الرحمن الجبرتي… شاهدٌ على عصرٍ يُولد من بين الركام
بقلم/محمد مصطفى كامل.
لم يكن المؤرخ في مطلع القرن التاسع عشر مجرد ناسخٍ للأخبار، ولا جامعٍ للحكايات، بل كان عينًا مفتوحة على الزلزلة الكبرى التي تضرب الأرض من تحت قدميه. وفي قلب هذه الزلزلة وقف عبد الرحمن الجبرتي، لا يحمل سيفًا ولا يتصدر جيشًا، لكنه امتلك ما هو أخطر: القلم.
عاش الجبرتي لحظة التحول الأعنف في تاريخ مصر الحديث: من دولة مملوكية مترهلة، إلى صدمة الحملة الفرنسية، ثم إلى صعود رجل ألباني الأصل اسمه محمد علي باشا. وبين هذا وذاك، كان الجبرتي يكتب… لا من برجٍ عاجي، بل من قلب الحدث.
بين المماليك والفرنسيين: انهيار عالمٍ قديم
وُلد الجبرتي عام 1753، ونشأ في بيت علمٍ أزهري، متشبعًا بثقافة الفقهاء والعلماء. كانت مصر آنذاك خاضعة اسميًا للسلطنة العثمانية، لكنها فعليًا في قبضة المماليك. لم يكن النظام مثاليًا، لكنه كان مألوفًا.
ثم جاءت حملة نابليون بونابرت عام 1798، فاهتزت البنية كلها. سجّل الجبرتي تفاصيل دخول الفرنسيين القاهرة، ووصف دهشة الناس من علومهم وتنظيمهم، كما رصد مقاومتهم وثورات المصريين ضدهم. لم يكن منبهرًا انبهار التابع، ولا رافضًا رفض الأعمى؛ بل كان يزن الأمور بميزان الشرع والعقل.
في كتابه الأشهر عجائب الآثار في التراجم والأخبار، لم يكتفِ بسرد الوقائع، بل قدّم قراءة اجتماعية وثقافية؛ وصف الأسواق، والأسعار، والأوبئة، وحياة الناس اليومية. كان يرى أن التاريخ ليس تاريخ السلاطين فقط، بل تاريخ المجتمع بأسره.
محمد علي… مشروع دولة أم انحراف سلطة؟
حين صعد محمد علي إلى الحكم سنة 1805، بدا في أعين كثيرين منقذًا من الفوضى. لكن الجبرتي لم يُسلِّم له قيادته الفكرية. راقب خطواته الأولى، وتحالفاته، وتخلّصه التدريجي من خصومه، خاصة المماليك.
بلغت ذروة التحول في مذبحة القلعة سنة 1811. لم يكتب الجبرتي عنها بلغة شاعرٍ ثائر، بل بلغة شاهدٍ مصدوم؛ وصف كيف استُدرج المماليك إلى القلعة، وكيف أُغلقت الأبواب عليهم. كان يدرك أن الدولة الجديدة تُبنى بالحديد والنار.
وهنا تتجلى فرادة الجبرتي: لم يكن خصمًا أيديولوجيًا لمحمد علي، لكنه كان ناقدًا أخلاقيًا. رأى في مشروعه قوةً وتنظيمًا، لكنه رأى أيضًا استبدادًا، ومصادرةً لدور العلماء، وتهميشًا للبنية التقليدية التي عرفها المجتمع المصري.
الجبرتي… صوت العلماء في مواجهة الدولة الحديثة
كان محمد علي يؤسس لدولة مركزية حديثة: جيش منظم، تعليم جديد، بعثات إلى أوروبا، مصانع، وإدارة بيروقراطية. لكن هذه الدولة الحديثة كانت، في نظر الجبرتي، تتشكل على حساب العلماء وطبقة الأعيان التقليديين.
الجبرتي لم يكن يرفض التحديث من حيث هو تحديث، لكنه كان يخشى أن يتحول إلى قطيعة مع الهوية. رأى أن السلطة تتركز في يد الوالي، وأن العلماء يُستدعون لا ليستشاروا، بل ليُباركوا.
وهنا تتبدى رؤيته المختلفة: لم يكتب عن محمد علي كحاكمٍ فحسب، بل كظاهرة تاريخية تنقل مصر من زمن إلى زمن. كان يدرك أنه يعيش لحظة مفصلية، وأن ما يدوّنه اليوم سيقرأه الناس غدًا ليعرفوا كيف وُلدت مصر الحديثة.
مأساة الشاهد
لم تكن حياة الجبرتي سهلة. فقد ابنه خليل في ظروف غامضة، ويُرجّح أن للسلطة يدًا في ذلك، بسبب جرأة الأب في النقد. ومع ذلك لم يتوقف عن الكتابة. كان يدرك أن الشاهد إن صمت، ضاع العصر.
لم يكتب الجبرتي بروح الثائر، بل بروح القاضي الذي يسجل الشهادة للتاريخ. ولذلك جاءت كتاباته مشحونة بالتفاصيل، صادقة النبرة، أحيانًا حادة، وأحيانًا متحفظة، لكنها دائمًا واعية بخطورة اللحظة.
لماذا نعود إلى الجبرتي اليوم؟
لأننا حين نقرأه، لا نقرأ فقط تاريخ محمد علي، بل نقرأ ميلاد السؤال الأزلي:
هل تُبنى الدول بالقوة وحدها؟
وهل يمكن للتحديث أن ينجح إذا تجاهل جذور المجتمع؟
الجبرتي لم يكن ضد الدولة، ولم يكن مع الفوضى. كان مع العدل، ومع بقاء الأخلاق في قلب السياسة. ولذلك يبقى شاهدًا على العصر… لا لأنه رأى الأحداث فقط، بل لأنه فهم معناها.
وفي زمنٍ تتكرر فيه التحولات الكبرى، يظل صوت الجبرتي حاضرًا ، يهمس في أذن كل سلطة:
اكتبوا ما شئتم من قرارات، فالتاريخ سيكتبكم كما أنتم… لا كما أردتم أن تُرووا.
