المقالات

الشيعة في زمن الإمام الحسن (عليه السلام) بقلم الكاتبة زينب كاظم

الشيعة في زمن الإمام الحسن (عليه السلام)

بقلم الكاتبة زينب كاظم

بمناسبة ذكرى مولد سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، نقدم هذا المقال كقراءة نقدية تاريخية في مواجهة بعض التعميمات والإدانات التي وُجِّهت للشيعة في زمنه عليه السلام. لقد كثرت في العقود الأخيرة قراءات تاريخية تُحمِّل شيعة زمن الإمام الحسن بن علي (عليه السلام) مسؤولية ما انتهت إليه الأحداث السياسية آنذاك، وتُصوِّرهم جماعة عاجزة أو فاشلة أو متهمة بالخيانة. هذا الطرح، وإن بدا في ظاهره تحليلًا عقلانيًا، إلا أنه يعاني من خلل منهجي خطير يتمثل في التعميم وإسقاط مفاهيم متأخرة على واقع تاريخي شديد التعقيد. فالإنصاف العلمي يقتضي النظر إلى تلك المرحلة بعيدًا عن الأحكام الجاهزة، وفصل الاسم عن الحقيقة، والظاهرة الاجتماعية عن الانتماء العقائدي.

ومن الخطأ المنهجي الفادح إسقاط مفهوم التشيّع بصيغته العقائدية المتبلورة في القرون اللاحقة على واقع القرن الأول الهجري؛ إذ لم يكن التشيّع آنذاك مذهبًا مكتمل البنية، بل توصيفًا سياسيًا واجتماعيًا عامًا يضم أطيافًا متعددة: شيعة مخلصين يرون الإمامة حقًا شرعيًا لعلي وآله، وأنصارًا ظرفيين تحكمهم المصالح والخوف، ومنافقين تسلّلوا تحت هذا العنوان لاختراق الصف من الداخل. هذا التنوّع لم يكن ظاهرة شيعية فحسب، بل عرفه المجتمع الإسلامي عمومًا، حيث يصرّح القرآن بوجود النفاق داخل المدينة دون أن يُسقط ذلك قداسة الرسالة أو عدالة المبدأ.

وتُجمع المصادر التاريخية، سنية وشيعية، على أن جيش الإمام الحسن عليه السلام لم يكن كتلة واحدة متجانسة؛ فقد نقل الطبري وابن الأثير وغيرهما أن قادة في جيشه راسلوا معاوية بن أبي سفيان عليه لعائن الله سرًا، وقبلوا المال والوعود بالمناصب مقابل الانسحاب أو التخلي. والإمام الحسن عليه السلام نفسه صرّح بأن الاستمرار في الحرب كان سيؤدي إلى أن يقوم من في معسكره بتسليمه إلى معاوية بن أبي سفيان عليه لعائن الله، وهذه شهادة قائد معصوم على واقع مأزوم، لا اتهامًا للتشيّع كخط، ولا إدانة لأتباعه المخلصين.

إن الاتفاقية التي عُقدت بين الإمام الحسن عليه السلام ومعاوية بن أبي سفيان عليه لعائن الله لم تكن انكسارًا، بل وسيلة لحقن دماء المؤمنين الحقيقيين، وأداة لكشف الطابع السلطوي لحكم بني أمية، وخطوة استراتيجية لحفظ خط الإمامة من الإبادة الكاملة. وهي من حيث المآل تشبه صلح الحديبية في كونها جاءت لحفظ الدماء وكشف صدق النوايا. وقد أثبتت الأحداث لاحقًا أن معاوية بن أبي سفيان عليه لعائن الله لم يلتزم ببنود تلك الاتفاقية، مما أسقط شرعيته الأخلاقية وفضح طبيعة الحكم القائم على القهر لا الشورى، ومهّد لاحقًا لثورة الإمام الحسين عليه السلام.

إن تحميل شيعة زمن الإمام الحسن (عليه السلام) مسؤولية جماعية عما جرى هو تعميم لا يصمد أمام أي معيار علمي؛ فالمجتمعات لا تُدان كوحدات صمّاء، والتاريخ الإسلامي يثبت وجود الصالح والطالح في كل جماعة، وإسقاط هذا المنطق يقود إلى محاكمة جماعية غير عادلة، كما لو طُبِّق على الصحابة بسبب وجود المنافقين بينهم.

أما عن كتاب راضي آل ياسين «صلح الإمام الحسن عليه السلام» الذي يحظى بشهرة واسعة لما اتسم به من أسلوب أدبي جذاب ومحاولة تفسير الاتفاقية تفسيرًا عقلانيًا، فإن بعض نتائجه التحليلية تثير إشكال الانتقال غير المنضبط من توصيف الواقع إلى إصدار حكم قيمي عام؛ حيث يُصوَّر المجتمع المحيط بالإمام الحسن عليه السلام كفاقد للوعي دون تفكيك طبقاته وتمييز المخلص من المنافق، مع المبالغة في تحميل القاعدة الشعبية وزر الحدث مقابل تهميش دور السلطة الأموية، رغم أن المصادر تثبت استخدام المال والتهديد لتفكيك المجتمع من الداخل، وإضعاف البعد الإمامي للقرار عبر تصوير الاتفاقية وكأنها استجابة اضطرارية لانهيار القاعدة، لا خيارًا واعيًا اتخذه إمام معصوم وفق موازين دقيقة.

إن الكوفة لم تكن مدينة ملائكية ولا شيطانية، بل ساحة صراع مفتوحة؛ فيها وُجد حجر بن عدي رضوان الله عليه وعمرو بن الحمق رضوان الله عليه، رموز الولاء الصادق، وفيها من باع موقفه خوفًا أو طمعًا. فالخلل لم يكن في التشيّع كفكرة، بل في هشاشة الوعي الجمعي تحت ضغط الإرهاب السياسي الأموي. وهذا الطرح ليس اجتهادًا إنشائيًا ولا موقفًا عاطفيًا، بل خلاصة تستند إلى أدلة تاريخية صريحة: شهادة الإمام الحسن عليه السلام، وروايات أبي مخنف، وتحليل الشيخ المفيد في الإرشاد، والنتيجة التاريخية لبقاء خط التشيّع حيًّا؛ جميعها تُسقط فرضية الإدانة الجماعية من أساسها. وأي قراءة تُحمِّل شيعة زمن الإمام الحسن مسؤولية هذه الاتفاقية — وهي اتفاقية أكثر ما تكون تنظيمًا سياسيًا لحفظ الدماء لا صلحًا بالمعنى الاجتماعي البسيط، وقد تحدثنا عنها في مقال سابق بشكل مفصل — إنما تتجاوز الوثيقة، وتستبدل التاريخ بالانطباع، بينما التاريخ حين يُقرأ بميزان العدل يفرض الإنصاف فرضًا.

هذا المقال إهداء إلى شخصية الإمام الحسن عليه السلام، المجتبى المظلوم إعلاميًا، ونرفع آيات التهاني والتبريكات إلى صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف بمناسبة ذكرى مولده. وسلامٌ على الإمام الحسن يوم وُلد ويوم استُشهد ويوم يُبعث حيًا، ونستذكر شجاعته وفضله وكرمه وحكمته وصبره، ونتبارك به ونعظم صفاته المضيئة.

ومن ألقابه عليه السلام: المجتبى، الزكي، السبط، سيد شباب أهل الجنة، كريم أهل البيت، والريحانة.

متباركين إن شاء الله.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار