
السيادة لا تُكتب في تغريدة… بل تُصنع في القرار الوطني
بين نوابٍ تحت الصواريخ… ونوابٍ تحت وقع التغريدات
إيران تحسم قرارها… والعراق ما زال يترقّب الإشارة
بقلم
الأستاذ المساعد الدكتور والحقوقي
مهدي علي دويغر الكعبي
الاثنين ٩ آذار ٢٠٢٦
رأي وتحليل
مقدمة تمهيدية :…
في لحظات التحولات الكبرى تتعرّى المواقف وتسقط الأقنعة التي طالما احتمت خلف شعارات الوطنية والسيادة فالأزمات لا تختبر قوة الدول فحسب بل تكشف أيضاً صدق الخطاب السياسي وقدرته على التحول من كلماتٍ تُقال إلى مواقفٍ تُصنع.
الوطنية ليست شعاراً يُرفع في الخطب ولا بياناً يُكتب في لحظة حماس بل هي موقفٌ يتجلى عندما يتعرض القرار الوطني لضغوط الخارج عندها يظهر الفرق بين دولةٍ تمتلك إرادتها وأخرى ما تزال تنتظر الإشارة من خارج حدودها.
في إيران وقف نوابٌ ومسؤولون تحت ظلال التهديدات والعقوبات والصواريخ لكنهم تمسكوا بحقهم في أن يكون القرار إيرانياً خالصاً. لم ينتظروا تغريدة ولم يبحثوا عن موافقة عاصمة بعيدة بل اختاروا أن تكون السيادة ممارسةً فعلية لا شعاراً متداولاً في الخطابات.
أما في العراق فما زالت بعض المشاهد السياسية تعكس واقعاً مختلفاً إذ يمكن لكلمةٍ عابرة في فضاء التواصل أو موقفٍ يصدر من خارج الحدود أن يثير جدلاً سياسياً واسعاً ويؤثر في مسارات القرار.
وهنا يبرز السؤال الجوهري:..
هل يمكن لدولةٍ أن تبني سيادتها وهي تنتظر الإذن؟
وهل يمكن للوطنية أن تكتمل إذا بقي القرار السياسي أسيراً لضغوط الخارج؟
إن الدول القوية لا تُدار بالتغريدات ولا تُبنى بالإملاءات، بل تقوم على إرادةٍ وطنية تدرك أن الكرامة السياسية ليست خياراً ثانوياً بل هي أساس قيام الدولة واستمرارها.
فالتاريخ لا يكتب أسماء من انتظروا الإشارة بل يخلّد دائماً أولئك الذين امتلكوا شجاعة القرار. 🇮🇶
تفاصيل المشهد: .. بين قرارٍ يُصنع… وآخر ينتظر الإذن :..
في لحظات التحولات الكبرى تنكشف حقيقة المواقف، ويتضح الفارق بين من يمتلك إرادة القرار ومن اعتاد البقاء تحت سقف الانتظار.
في إيران جلس نحو ستين نائباً تحت ظلال التهديد والصواريخ والعقوبات. لم يكن لديهم ما يحمون به موقفهم سوى إيمانهم بعقيدتهم، وثقتهم بوطنهم، وإصرارهم على أن يكون القرار إيرانياً خالصاً. لم يتكئوا على امتيازاتٍ مترفة، ولا على حسابات الخوف، بل حملوا ما هو أثمن من كل ذلك: الإيمان بسيادة الدولة وحق الأمة في اختيار قيادتها.
وفي المقابل نجد في أماكن أخرى من المنطقة من يمتلك ميزانيات دول ونفوذاً سياسياً واسعاً وإمكاناتٍ هائلة لكنه يقف مرتبكاً أمام تغريدة ويحسب حساب الكلمات قبل أن يحسب حساب الوطن.
فقد خرج دونالد ترامب قبل أيام بتغريدة يعلن فيها رفضه تولّي مجتبى الخامنئي أي موقع قيادي، كما سبق أن عبّر عن اعتراضه على شخصياتٍ أخرى في المنطقة. غير أن الرد الإيراني لم يكن قلقاً ولا مرتبكاً بل جاء واضحاً وحاسماً: ..
القرار إيراني… والسيادة إيرانية… ومن يحدد مصير إيران هو شعبها ومؤسساتها، لا تغريدة من خارج الحدود.
وهنا تتضح المفارقة في المشهد العراقي:..
فبينما تمضي طهران في مسارها السياسي بثقة ما زال بعض من يُحسبون على قوى المقاومة في العراق يترددون عندما يُطرح اسم نوري المالكي لرئاسة الحكومة، لا لأن الدستور يمنع ولا لأن البرلمان يعترض، بل لأنهم ينتظرون ما قد يصدر من موقفٍ خارجي أو تغريدة جديدة.
لقد وصل الأمر إلى حدّ أن تغريدةً واحدة قد تربك المشهد السياسي لأكثر من ستين يوماً وكأن إرادة بلدٍ بحجم العراق أصبحت معلّقة بين شاشة هاتف ومزاج سياسي خارج الحدود.
وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة:
كيف يجتمع خطاب السيادة والمقاومة مع هذا القدر من التردد أمام كلمةٍ عابرة في فضاء التواصل؟
إن الفرق بين التجربتين لا يكمن في الشعارات، فالشعارات قد تتشابه كثيراً، بل في القدرة على تحويل الشعار إلى موقفٍ حقيقي.
هناك من يتحدث عن المقاومة…
وهناك من يمارسها قراراً وسيادةً واستقلالاً.
هناك من يرفع راية الكرامة…
وهناك من يدفع ثمنها صموداً تحت التهديد والعقوبات والصواريخ.
ولذلك يبدو المشهد واضحاً:..
إيران تمضي في قرارها رغم العاصفة والضغوط.
أما في العراق فما زال البعض يتصرف وكأن السيادة تحتاج إلى موافقةٍ مسبقة من الخارج.
إن السيادة لا تُمنح… بل تُمارَس.
والقرار الوطني لا يُكتب في تغريدة بل يُصنع في إرادة الشعوب ومؤسسات الدول.
فالتاريخ لا يتذكر من انتظر الإذن
بل يخلّد دائماً من امتلك شجاعة القرار.

