المقالات

من محراب الكوفة… إلى زمن القيادة بقلم: نهاد الزركاني

من محراب الكوفة… إلى زمن القيادة

بقلم: نهاد الزركاني

لم تكن ضربة محراب الكوفة مجرد اغتيال لرجل عظيم، بل كانت اغتيالًا مبكرًا لنموذج الحكم العادل قبل أن تنضج الأمة لحمايته.في تلك اللحظة لم يسقط الإمام علي (عليه السلام) بقدر ما انكشف التوتر العميق بين مشروع العدالة الذي حمله، والبنية الاجتماعية التي لم تكن مستعدة لتحمل كلفة تلك العدالة.

فالإمام علي ( عليه السلام )لم يكن حاكمًا تقليديًا في تاريخ المسلمين، بل كان محاولة لإعادة تعريف معنى السلطة نفسها. ففي زمن كانت القوة تُقاس فيه بالسيطرة، أراد أن يجعل معيارها العدل. وهنا بدأ التناقض الحقيقي الذي انتهى بضربة المحراب.

فالعدالة حين تتحول إلى نظام حكم لا تكتفي بإدانة الظالمين، بل تضع المجتمع كله أمام امتحان صعب: هل أنتم مستعدون لتحمل تبعات العدالة؟

ومن هنا اكتسب محراب الكوفة رمزيته العميقة. فالمحراب لم يكن مجرد موضع عبادة، بل المكان الذي التقت فيه الروح الدينية بصراع السلطة، وسقط فيه الدم ليطرح سؤالًا لم يغادر التاريخ حتى اليوم:

هل تستطيع الأمة أن تحمي مشروع العدالة عندما يصبح واقعًا؟

وعند قراءة هذه الرمزية في زمننا المعاصر يبرز فرق جوهري بين وعي الأمس ووعي اليوم.

فكوفة الأمس التي قاتلت مع الإمام علي (عليه السلام) خذلت بعد ذلك ابنه الإمام الحسن (عليه السلام)، لا لأنها رفضت المبدأ، بل لأنها كانت لا تزال أسيرة وعي سياسي بدائي، يخلط بين الحماسة والالتزام، وبين الهتاف وحماية المشروع.

أما اليوم، فإن مشهد الالتفاف حول القيادة واختيارها عبر المؤسسات المنتخبة، مثل مجلس خبراء القيادة، يعكس وعيًا تراكميًا استوعب دروس التاريخ القاسية. فالمجتمعات التي تعلمت من مآسيها تدرك أن العدالة لا تعيش بالشعارات، بل تحتاج إلى بيئة اجتماعية حاضنة ومؤسسات قادرة على حمايتها.

ولهذا فإن استحضار محراب الكوفة في اللحظة السياسية المعاصرة ليس مجرد استدعاء لذكرى تاريخية، بل قراءة لدرسٍ طويل في العلاقة بين القيادة والأمة.فالتجربة التاريخية تشير إلى حقيقة قاسية:

القادة الذين يحملون مشاريع كبرى لا يسقطون غالبًا بسبب ضعفهم، بل بسبب الفجوة بين حجم المشروع الذي يحملونه ومستوى الوعي الذي يحيط بهم.

لهذا فإن السؤال الذي تركه محراب الكوفة لم يكن سؤال الماضي وحده، بل سؤال كل زمن:

هل تريد الأمة العدالة شعارًا… أم أنها مستعدة لأن تعيش تبعاتها؟

فالتاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه يعيد أسئلته الكبرى.

واليوم، والأمة تلتف حول قيادتها في مشهدٍ مختلف الوعي، يمكن القول إن دم محراب الكوفة لم يكن مأساة عابرة، بل بذرة وعيٍ طويل؛ بذرة تحولت مع الزمن إلى ضميرٍ جمعي يدرك أن العدالة لا تُحمى بالعاطفة وحدها، بل بالوعي الذي يصونها.

 

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار