المقالات

سلطة القول بين الحكمة والهيمنة: قراءة لغوية وأدبية في مقولة “إذا قالت حذام فصدقوها”:

سلطة القول بين الحكمة والهيمنة: قراءة لغوية وأدبية في مقولة “إذا قالت حذام فصدقوها”:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

 

تختزن اللغة العربية في أمثالها خلاصةَ التجربة الإنسانية، وتكثيفاً دلاليّاً يختصر مسافاتٍ طويلةً من الفكر والسلوك والتاريخ. ومن بين تلك الأمثال التي استقرّت في الذاكرة الجمعية قولهم: “إذا قالت حذام فصدقوها، فإن القول ما قالت حذام”؛ وهو قولٌ يبدو في ظاهره تسليماً مطلقاً لسلطة القائل، غير أنّه في عمقه يثير أسئلةً لغويةً وأدبيةً وفلسفيةً تتصل بطبيعة القول، وحدود الثقة، وعلاقة المتكلّم بالحقيقة.

من الناحية اللغوية، يقوم هذا المثل على بنية شرطية تتأسّس على أداة “إذا” الدالة على تحقق الوقوع، لا على إمكانه، وكأنّ صدق “حذام” ليس احتمالاً يُختبر، بل حقيقةٌ مُسبقة تُفترض. ويأتي جواب الشرط في صيغة الأمر: “فصدقوها”، وهو فعل يحمل طابع الإلزام، لا مجرّد الإرشاد. ثم تتعزّز هذه السلطة بتركيب توكيدي: “فإن القول ما قالت حذام”، حيث تفيد “إنّ” التوكيد، ويأتي القصر بواسطة “ما” ليحصر القول الحقّ فيما تنطق به “حذام”، فيتحوّل الخطاب من توصية إلى تقريرٍ يقينيّ، ومن تجربة إلى قاعدة.

هذا التراكم الأسلوبي (شرطٌ، فأمرٌ، فتوكيدٌ، فقصر) ليس اعتباطاً، بل هو بناءٌ بلاغيّ يُشيّد سلطةً لغويةً مكتملة الأركان، تُحوِّل القائل من فردٍ إلى مرجعية، ومن صوتٍ إلى معيار. وهنا يتجاوز المثل كونه حكايةً شعبية إلى كونه نموذجاً لآليات إنتاج “المصداقية” في اللغة: كيف يتحوّل القول إلى حقيقة؟ وكيف يُمنح المتكلّم شرعيةً تتجاوز قابليّة الخطأ؟

أما من الناحية الأدبية، فإن “حذام” ليست مجرّد اسمٍ لامرأة، بل هي رمزٌ للخبرة المتراكمة، أو الحدس الصائب، أو البصيرة التي اختبرت الواقع حتى صارت كلمتها تقطع الشكّ. وقد قيل إنّها كانت تُنذر قومها بالخطر فيصدق قولها، فغدت كلمتها مرادفًا للنجاة. وهنا تتشكّل المفارقة: فالمثل الذي يُعلي من شأن الصدق، قد يؤسّس في الوقت ذاته لنوعٍ من “الاستسلام المعرفي”، حيث يُستبدل البرهان بالثقة، ويُعطَّل السؤال لصالح التسليم.

إنّ هذا التوتر بين الحكمة والهيمنة هو ما يمنح المثل عمقه الأدبي. فهو من جهةٍ يحتفي بالتجربة والخبرة، ويعترف بأنّ بعض الأصوات تكتسب مصداقيتها عبر الزمن، لكنه من جهةٍ أخرى يفتح الباب أمام تحويل القول إلى سلطةٍ مغلقة، تُعيد إنتاج نفسها خارج النقد. وهنا يتقاطع المثل مع أسئلة حديثة في فلسفة اللغة: هل المعنى في القول ذاته، أم في قائله؟ وهل صدق العبارة يُقاس بمطابقتها للواقع، أم بثقة الجماعة بمن ينطقها؟

ولعلّ في هذا المثل ما يكشف عن بُعدٍ تداوليّ عميق في العربية؛ إذ لا يُفهم القول بمعزلٍ عن مقامه، ولا تُقاس دلالته خارج سياق استعماله. فـ”حذام” هنا ليست مجرد مرجعٍ لغوي، بل هي “سلطة تداولية” تمنح القول قوته الإلزامية. ومن ثمّ، فإنّ صدق القول لا ينبع من بنيته فحسب، بل من شبكة العلاقات التي تحيط به: تاريخ القائل، وسياق الخطاب، وثقة المتلقّي.

غير أنّ الأدب، بوصفه فضاءً للشكّ الخلّاق، يعيد مساءلة هذه المسلّمات. فالشاعر أو الكاتب لا يكتفي بترديد “ما قالت حذام”، بل يسأل: ماذا لو أخطأت؟ ماذا لو تغيّر السياق؟ ماذا لو صار التسليم عائقاً أمام اكتشاف حقيقةٍ أخرى؟ وهنا يتحوّل المثل من قاعدةٍ إلى إشكالية، ومن يقينٍ إلى سؤال.

إنّ القيمة الجمالية لهذا القول تكمن في قابليته لإعادة التأويل؛ فهو نصٌّ مفتوحٌ على قراءاتٍ متعددة، يمكن أن يُقرأ بوصفه تمجيداً للحكمة، أو نقداً للسلطة، أو تحذيراً من الانقياد. وفي هذا التعدّد تكمن حيويّة اللغة العربية، التي لا تكتفي بأن تقول، بل تُغري بالتفكير فيما تقول.

وفي المحصلة، فإنّ مقولة “إذا قالت حذام فصدقوها” ليست مجرّد حكمةٍ عابرة، بل هي بنية لغوية وأدبية تكشف عن آليات إنتاج الحقيقة في الخطاب، وعن العلاقة المعقّدة بين القول والقائل. إنها دعوةٌ مزدوجة: إلى الثقة حين تستند إلى التجربة، وإلى الحذر حين تتحوّل الثقة إلى يقينٍ يُغلق باب السؤال. فليست كلّ “حذام” معصومة، ولا كلّ قولٍ يُقال جديرٌ بأن يُصدّق—إلا بقدر ما يُمتحن في ضوء العقل، ويُختبر في مرآة الواقع.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار