

القرار الذي أخّر المشروع الصهيوني.
بقلم/ محمد مصطفى كامل.
عندما قال السلطان عبد الحميد فلسطين ليست للبيع
في نهاية القرن التاسع عشر، لم يكن الشرق الأوسط كما نعرفه اليوم. الإمبراطوريات كانت تتحكم في الجغرافيا، والقرارات الكبرى كانت تُصنع داخل قصور الحكم قبل أن تصل أصداؤها إلى الشعوب. في قلب هذه القصة يقف رجلان يمثلان مشروعين مختلفين تمامًا:
السلطان عبدالحميد الثاني الذي كان يحكم دولة مترامية الأطراف،
والزعيم الصهيوني تيودر هرتزل ، الذي كان يبحث عن وطن لليهود بأي طريق ممكن.
القصة لم تبدأ في القاهرة، بل في إسطنبول.
العرض الذي حاول شراء التاريخ
كان هرتزل يدرك أن الطريق الأقصر لمشروعه يمر عبر الدولة العثمانية، لأن فلسطين كانت جزءًا منها. لذلك سعى للوصول إلى السلطان عبد الحميد الثاني عبر وسطاء ودبلوماسيين.
العرض الذي حمله كان واضحًا:
دعم مالي ضخم للدولة العثمانية.
المساعدة في تسديد الديون الخارجية.
مقابل السماح باستيطان يهودي واسع في فلسطين.
لكن الرد العثماني كان حاسمًا.
رفض السلطان العرض، معتبرًا أن أرض فلسطين ليست ملكًا شخصيًا يمكن التفاوض عليها.
هذا القرار لم يكن مجرد موقف سياسي عابر، بل لحظة غيرت مسار مشروع كامل.
التحول الكبير: البحث عن طريق آخر
بعد فشل المحاولة في إسطنبول، أدرك هرتزل أن الطريق المباشر إلى فلسطين مغلق.
ومن هنا بدأ التفكير في خطط بديلة، تقودنا إلى محطة مهمة في القاهرة.
عام 1903 وصل هرتزل إلى مصر، التي كانت تحت النفوذ البريطاني، والتقى بالحاكم الفعلي للبلاد اللورد كرومر .
هنا ظهرت فكرة مشروع سيناء، وتحديدًا منطقة العريش.
كان المشروع بالنسبة للحركة الصهيونية خطوة انتقالية:
مكان قريب من فلسطين، تحت نفوذ بريطاني، وقد يكون بداية لمرحلة جديدة.
وفي هذه المرحلة كان اسم رجل دولة مصري حاضرًا في النقاشات الرسمية، هو بطرس غالي الذي كان يشغل منصب وزير الخارجية في الحكومة المصرية آنذاك، حيث مرّت عبر المؤسسات الرسمية المصرية الدراسات المتعلقة بالمشروع، خاصة ما يتعلق بالمياه والأراضي.
لماذا سقط مشروع سيناء؟
رغم الاهتمام البريطاني بدراسة الفكرة، اصطدم المشروع بعقبات كبيرة:
صعوبة نقل مياه النيل إلى شمال سيناء.
مخاوف سياسية داخل مصر.
حسابات إمبراطورية بريطانية أكثر تعقيدًا مما بدا في البداية.
وهكذا انتهت الخطة قبل أن تتحول إلى واقع.
لكن القصة لم تنتهِ هنا.
اللحظة التي تغيّر فيها كل شيء
مرت سنوات قليلة فقط، ثم جاءت الحرب العالمية الأولى وسقطت الدولة العثمانية.
ومع هذا التحول الكبير ظهر . القرار الذي سيغيّر تاريخ المنطقة:
وعد بلفور.
وهنا عاد المشروع إلى هدفه الأول: فلسطين.
السؤال الذي يثير الجدل حتى اليوم
هل لو وافق السلطان عبد الحميد الثاني على عرض هرتزل كان التاريخ سيتغير؟
وهل كانت سيناء مجرد خطة بديلة مؤقتة أم بداية مشروع أكبر لإعادة رسم المنطقة؟
المؤكد أن رفض السلطان لم يوقف المشروع، لكنه أجبره على تغيير المسار والانتظار حتى تتغير موازين القوى.
ومن إسطنبول إلى القاهرة، ومن مشروع سيناء إلى وعد بلفور، كانت الفكرة نفسها تتحرك بصبر داخل السياسة الدولية… حتى وجدت اللحظة المناسبة.
وهذا ما يجعل تلك اللقاءات القديمة ليست مجرد أحداث تاريخية، بل مفاتيح لفهم ما جرى لاحقًا في الشرق الأوسط.