الدوليةالرئيسية

ترامب بين وعودٍ متقلّبة وتجارةٍ تتقدّم على السياسة: … كيف تُعيد إيران تعريف القوة من العقيدة إلى الهيمنة المركّبة؟

ترامب بين وعودٍ متقلّبة وتجارةٍ تتقدّم على السياسة: …

كيف تُعيد إيران تعريف القوة من العقيدة إلى الهيمنة المركّبة؟

 

بقلم: أ.م.د والحقوقي

مهدي علي دويغر الكعبي

الخميس 26 آذار 2026

رأي وتحليل

 

من الصبر الاستراتيجي إلى صناعة الردع… وعندما تفشل الضغوط: ..

دولةٌ لا تُغتال وعقيدةٌ لا تنكسر

 

مقدمة تمهيدية :..

لم تكن الجمهورية الإسلامية الإيرانية مجرّد دولة واجهت حصارًا طويل الأمد بل كانت نموذجًا معقّدًا لإرادة البقاء وصناعة القوة تحت أقسى الظروف فمن قلب العزلة أعادت طهران تعريف ذاتها كدولة تُبنى في الأزمات لا تنهار بها وحين استهدفت قياداتها بالاغتيال لم تتفكك كما راهن خصومها بل أثبتت أن ما يحكمها منظومة عقائدية مؤسسية تتجاوز الأفراد وقادرة على إعادة إنتاج القوة والاستمرار

في المقابل يبرز المشهد الأمريكي حيث تتكرر مفارقة لافتة في سلوك الرئيس دونالد ترامب الذي كثيرًا ما يعلن مواقف ثم يعود لينقضها أو يعكسها هذا التذبذب لا يبدو مجرد ارتباك سياسي بل يعكس ذهنية تقوم على إدارة الصراع بمنطق السوق التصريح أداة ضغط والتراجع تكتيك تفاوض والهدف النهائي هو التحكم بمسارات الاقتصاد العالمي بما يخدم المصالح الأمريكية وشركاتها.

 

وهكذا لا تدور المواجهة بين طهران وواشنطن في ميدان القوة الصلبة فقط بل في ميدان السرديات حيث تتحول الحقيقة إلى أداة صراع والإعلام إلى سلاح موازٍ للصواريخ.

 

تفاصيل المقال :..

بين إعلان ترامب عن “محادثات مثمرة” مع إيران والنفي الإيراني القاطع تتكشف طبيعة الصراع بوصفه صراع روايات بقدر ما هو صراع مصالح فالرئيس الأمريكي الذي اعتاد إطلاق الوعود ثم التراجع عنها يوظف الخطاب الإعلامي كأداة تأثير في الأسواق قبل أن يكون تعبيرًا عن واقع سياسي.

هذا السلوك ينسجم مع رؤيةٍ أقرب إلى “عقلية التاجر” منها إلى منطق الدولة حيث تصبح التهديدات والتأجيلات وحتى الحديث عن التفاوض أدواتٍ لتحريك أسعار الطاقة وضبط إيقاع التجارة العالمية وتحقيق مكاسب غير مباشرة للاقتصاد الأمريكي فالمعادلة هنا لا تقوم على مبدأ الحسم السياسي بقدر ما ترتكز على إدارة التقلبات بما يخدم مراكز القوة الاقتصادية.

قرار تأجيل الضربة العسكرية لمدة خمسة أيام يندرج ضمن هذا السياق إذ لا يمكن قراءته كخطوة تهدئة خالصة بل كمناورة مزدوجة اختبار ردود الفعل وإبقاء الأسواق في حالة ترقّب مع الحفاظ على هامش التصعيد قائمًا.

في المقابل تتعامل إيران مع هذه المعادلة بمنهج مختلف يقوم على تفكيك الرواية الأمريكية ونزع شرعيتها عبر إظهارها كجزء من حرب نفسية تستهدف الرأي العام أكثر مما تستهدف الميدان. وهنا يتجلى الفارق الجوهري بين الطرفين:

• واشنطن تدير الصراع بمنطق التأثير السريع والتقلب المحسوب.

• وطهران تديره بمنطق النفس الطويل وتراكم القوة.

أما في البعد الاستراتيجي فإن الحديث عن استهداف البنية التحتية للطاقة ولا سيما جزيرة خرج يكشف أن جوهر الصراع يتمحور حول السيطرة على مفاتيح الطاقة العالمية غير أن هذا الخيار يحمل مخاطر كبيرة إذ قد يؤدي إلى توسيع رقعة المواجهة بدل حسمها خاصة في ظل حساسية مضيق هرمز.

وفي هذا الإطار تتحرك الولايات المتحدة ضمن ثلاثة مسارات متوازية عسكريًا عبر الضغط التدريجي واقتصاديًا عبر التحكم بتدفقات الطاقة وإعلاميًا عبر صناعة روايات متناقضة. إلا أن هذه المسارات تصطدم بحقيقة متكررة مفادها أن الضغوط على إيران غالبًا ما تتحول إلى عنصر تعزيز داخلي بدل أن تكون عامل إضعاف.

لقد أفرزت سنوات الحصار والاغتيالات نموذجًا مختلفًا للقوة في إيران: قوة تبدأ من العقيدة، وتتجذر في الصبر الاستراتيجي ثم تتجسد في منظومات عسكرية وتكنولوجية متقدمة وهذا ما يجعل فكرة “كسر الإرادة” عبر الضغط الخارجي فرضيةً غير مضمونة النتائج.

 

في النهاية:..

في المحصلة لا يمكن فهم المشهد الراهن بمعزل عن هذا التباين العميق: ..

رئيس أمريكي يوظف السياسة لخدمة الاقتصاد ويتعامل مع الأزمات بعقلية السوق في مقابل دولةٍ بنت استراتيجيتها على الصمود وتحويل التحديات إلى مصادر قوة.

وبين وعودٍ أمريكية متقلّبة لا تلبث أن تُنقض وثباتٍ إيراني يقوم على تراكم طويل الأمد تتحدد ملامح المرحلة المقبلة.

 

فالرهان لم يعد على من يطلق التهديد أولًا بل على من يمتلك القدرة على الصمود وإدارة الصراع، وفرض روايته… حتى لحظة الحسم.

 

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار