الثقافة والفن

بين يقين الأكياس المنسية.. وتباهي الجدران العلية بقلم: انتصار الحسين . جمهورية العراق 🇮🇶

بين يقين الأكياس المنسية.. وتباهي الجدران العلية

بقلم: انتصار الحسين

​في تاريخ الأمم، ثمة أبطالٌ لا تذكرهم كتب التاريخ الرسمية، لكن أسماءهم نُقشت بمدادٍ من نور في ملكوت السماء. هم أولئك البسطاء الذين لم يحملوا ألقاباً أكاديمية رنانة، ولم تزدحم جدرانهم بشهادات “الدكتوراة” أو “الماجستير”، لكن قلوبهم كانت ممتلئة بعلمٍ حقيقي لا يدركه إلا المخلصون الصادقون.

​في زمن الجمر، حين كان “الكتاب” تهمة قد تودي بصاحبها إلى أعواد المشانق، تجلى الفرق الجوهري بين فئتين من البشر؛ فئة باعت الدنيا واشترت اليقين، وفئة باعت اليقين لتشتري زينة الدنيا.

​لقد كان العراقي البسيط، بوعيه الفطري، يدرك أن الكلمة التي تحمل اسم الله أغلى من الروح ذاتها. لذا، رأينا تلك المشاهد البطولية التي قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها عظيمة في جوهرها؛ حين كان أحدهم يلف كتاب “مفاتيح الجنان” أو كتب الأدعية بـ “أكياس النايلون” المتواضعة، ليودعها “مرازيب” المطر أو يدفنها في جوف الأرض. لم يفعلوا ذلك خوفاً على الورق، بل تقديساً للمنهج، وإيماناً بأن فناء أجسادهم في سبيل الحفاظ على “ذكر الله” هو بابهم الأوسع للجنان. هؤلاء لم يقرأوا عن الإيمان في القاعات المبردة، بل عاشوه واقعاً تحت وطأة الخوف والقمع، فصار تعلقهم بالكتاب جزءاً من هويتهم الوجودية وصلتهم بخالقهم.

​وعلى الضفة الأخرى، نجد من انشغلوا بجمع “القشور”. أولئك الذين قضوا حياتهم يتنقلون بين أودية الضلال، يفعلون ما يحلو لهم من ملذات الدنيا الفانية، بينما كان كل همهم هو الظفر بشهادة دنيوية تُوضع في بروازٍ مذهب وتُعلق على الحائط للتباهي الأجوف. لم تكن الشهادة عندهم وسيلة لخدمة الحق أو رفعة الإنسان، بل كانت مجرد “درع للمفاخرة” وستاراً يغطون به خواء أرواحهم وتيه نفوسهم. هؤلاء حصدوا الألقاب، لكنهم فقدوا البوصلة واليقين.

​إن الفرق بين “مرزيب الماء” الذي احتضن كتاباً مقدساً برغم الرطوبة والمطر، وبين “جدار” يحمل شهادة للتفاخر، هو ذاته الفرق بين العبادة باليقين والعبادة بالادعاء. فصاحب المرزيب قدّم حياته لله من أجل كلمة، بينما صاحب الجدار قدّم حياته للدنيا من أجل مسمّىً زائل.

​يبقى الدرس خالداً: إن “المفاتيح” الحقيقية للجنان لم تكن يوماً ورقاً يُعلق، بل كانت إيماناً يُحفظ في سويداء القلوب، ويُدفن في الأرض لينبت في السماء صموداً، وعزةً، وكرامة.

 

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار