
النصر الذي أعاد تشكيل الشرق الأوسط: ..
قراءة تحليلية في بيان المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني
بقلم: أ.م.د. والحقوقي
مهدي علي دويغر الكعبي
الأربعاء ٨ نيسان ٢٠٢٦
رأي وتحليل
بين الرواية والانتصار: ..
تفكيك خطاب المجلس الأعلى للأمن القومي
مقدمة تمهيدية: …
رجالٌ لا تسكنهم القصور بل تسكنهم ذاكرة الشعوب وحين يخطّ الشهداء ملامح الدولة يصبح التاريخ امتداداً للفكرة لا انقطاعاً لها من كربلاء إلى الحاضر يستمر المعنى ذاته: …
دمٌ يصوغ المعادلة ووطنٌ يقوده من يشبهه في الألم والأمل.
مقدمة تفصيلية: ..
حين تنبثق القيادة من صميم الشعب لا من عزلته يتحول القرار إلى صدىً لوجعه لا عبئاً مفروضاً عليه وحين يدرك القائد أن الوطن أمانة لا غنيمة يغدو موقعه ساحة تضحية لا منصة سلطة.
ليست الدول بما تملك من ترسانات تُقاس بل بما تملك من رجالٍ اختاروا أن يعيشوا كما يعيش الناس وأن يرحلوا كما يرحل الشهداء: .. بلا مقابل وبلا مساومة وفي اللحظات المفصلية يتجلى الفرق بين قيادة تبحث عن النجاة وأخرى تصنع المعنى بين من يحتمي بالجدران ومن يحتمي بثقة شعبه
في هذا السياق لا يمكن قراءة بيان المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني بوصفه نصاً سياسياً معزولاً بل بوصفه تعبيراً عن رؤية متكاملة ترى نفسها جزءاً من معركة ممتدة وبين الرواية والواقع يظل التساؤل قائماً: ..
أهو انتصار مكتمل أم إعادة تموضع ضمن صراع لم تُكتب نهاياته بعد؟
تفاصيل البيان:..
انتهت الحرب… وبقيت المعادلة: ..
كيف صاغت إيران ما تسميه “نصراً سياسياً” من قلب الميدان؟
في لحظة مفصلية من تاريخ المنطقة لا تُقاس النتائج بعدد أيام القتال أو كثافة النيران بل بما يُكتب في خاتمة المشهد: ..
من يفرض شروطه ومن يتجه إلى التفاوض تحت وطأة المعادلة الجديدة هكذا تُقرأ نهاية الحرب التي أعلنت طهران خروجها منها منتصرة لا باعتبارها مواجهة عسكرية فحسب بل بوصفها عملية تحويل للضغط إلى نفوذ وللتحديات إلى أوراق قوة.
البيان المنسوب إلى المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني يكشف عن خطاب يرتكز على فكرة محورية ما جرى لم يكن صراعاً عسكرياً عابراً بل اختباراً لإرادات طويلة انتهى – وفق الرواية الإيرانية – بقبول الطرف المقابل بأسس تفاوض صيغت من موقع القوة ومن هنا يُطرح مفهوم “النصر المركّب” الذي يجمع بين البعد الميداني والإنجاز السياسي.
تشير مضامين البيان إلى تحقيق “معظم الأهداف” وإلى انتقال المعركة من ساحات القتال إلى طاولة التفاوض في إسلام آباد .
وتبرز هنا إحدى الركائز الأساسية في الخطاب الإيراني التفاوض ليس بديلاً عن الميدان بل امتداد له فما لم يُحسم بالقوة يُثبَّت بالسياسة ولكن من موقع الندية لا التراجع.
في قلب هذه الرؤية، تبرز “الخطة ذات النقاط العشر” بوصفها إطاراً مرجعياً تسعى طهران إلى تكريسه وتمتد هذه الخطة إلى ملفات شديدة الحساسية تشمل مضيق هرمز والعقوبات الاقتصادية والأصول المجمدة والوجود العسكري الأمريكي في المنطقة وهي قضايا ظلت لعقود محور النزاع ما يمنح طرحها بهذه الصيغة دلالة تتجاوز التسوية المؤقتة إلى محاولة إعادة تشكيل قواعد اللعبة.
أما مضيق هرمز فيُقدَّم في الخطاب الإيراني كعنوان للمرحلة المقبلة ليس كممر مائي فحسب بل كورقة سيادة ونفوذ اقتصادي وفي المقابل تُطرح رؤى لإعادة الإعمار وتقاسم العوائد في سياق يربط بين الجغرافيا والاقتصاد والسياسة ويعكس توجهاً لتحويل الموقع الاستراتيجي إلى عنصر قوة دائم.
تصريحات المسؤولين ولا سيما في السلك الدبلوماسي تعكس توجهاً نحو انفتاح محسوب على العالم مشروطاً بالحفاظ على السيادة الوطنية وفي موازاة ذلك يحافظ الخطاب العسكري على نبرة التعبئة والجاهزية جامعاً بين إعلان النصر والتأكيد على استمرار الاستعداد في رسالة مزدوجة تجمع بين الطمأنة والحذر.
وعلى المستوى الداخلي يُقدَّم المشهد بوصفه حالة من الالتفاف الشعبي حول القيادة وهو عنصر يُستثمر إعلامياً لتعزيز صورة التماسك الوطني بوصفه جزءاً من معادلة القوة والردع.
غير أن القراءة الإعلامية المتوازنة تقتضي التمييز بين إعلان النصر وتثبيت نتائجه فالمسارات التفاوضية المعلنة والمهل الزمنية المصاحبة لها تشير إلى أن المرحلة الحاسمة لم تُحسم بالكامل بعد إذ تبقى التفاصيل التنفيذية هي الفيصل في تحويل الطروحات إلى اتفاقات ملزمة أو إبقائها ضمن إطار التفاوض المفتوح.
إقليمياً يبرز دور الوسطاء ومنهم باكستان في تثبيت وقف إطلاق النار وفتح قنوات التهدئة ما يعكس أن التوازنات لم تُحسم بصورة مطلقة بل دخلت طور إدارة دقيقة للمصالح والتقاطعات.
في النهاية :..
في المحصلة تقدّم إيران روايتها بوصفها انتصاراً أعاد رسم معادلات القوة في المنطقة فيما يبقى الواقع النهائي رهناً بمآلات التفاوض وبين الميدان والسياسة تتشكل النتائج الحقيقية وهناك فقط يُكتب الفصل الأخير.
أما الحقيقة التي تفرض نفسها فهي أن الحروب في زمننا لا تنتهي حين يصمت السلاح بل حين تُكتب الشروط… ويُحسم من يملك حق صياغتها.

