
صراع الوجود: من حجر “قابيل” إلى حداثة الإقصاء
الكاتب ماهر كمال خليل. جمهورية العراق 🇮🇶
منذ اللحظة الأولى التي لامست فيها أقدامُ بني آدم أديمَ الأرض، انقدحت شرارةُ صراعٍ وجودي لا ينطفئ، صراعٍ تتداخل فيه غريزةُ البقاء بعنفوان الكبرياء. لقد استمد الإنسانُ طبيعتَه الأولى من قسوة التضاريس التي جُبل منها، فكان لزاماً عليه أن يطوع المادة ويذلل التحديات ليفرض سيطرته؛ وهي سيادةٌ لم تكن يوماً ترفاً عابراً، بل جرت في عروقه كمجرى الدم، محولةً الوجود من مجرد “حضور” إلى “قيادة وتسيّد”.
وهذا ما تنطق به شواهدُ التاريخ وحفرياتُ الأثر؛ فالصراع ليس عارضاً طارئاً على النسيج الإنساني، بل هو الخيط الناظم له. ففي جنوب شرق تركيا، وتحديداً في موقع “غوبكلي تبه”، تقف الأعمدة الحجرية الضخمة بنقوشها الضارية كشاهدٍ صامتٍ على محاولات الإنسان الأولى لترويض الطبيعة رمزياً، وممارسة إرادته عبر الفن والطقس قبل أن يعرف المحراث. وفي المقابل، تأتينا صرخة الضحايا من كينيا قبل عشرة آلاف عام، حيث الجماجم المهشمة بآلات حادة، لتؤكد أن العنف كان اللغةَ الأكثر فصاحةً في تأمين الموارد وفرض الهيمنة، حتى في أبسط المجتمعات تشكلاً.
إن هذا التاريخ المثقل بالدم يضعنا أمام تساؤلٍ وجودي مرير حول ماهية هذا الكائن الذي يمزج بين ذروة الإبداع ومنتهى العدوانية. ولعل في قصة ابني آدم (قابيل وهابيل) التجسيد الأسمى لهذا المأزق؛ فلم يكن القتل هناك مجرد فعل مادي، بل كان إعلاناً عن ولادة “الحسد الوجودي” ورفض الآخر، حيث تحول القربان من وسيلة للتقرب إلى الله إلى فتيلٍ يشعل نيران الإقصاء، ليرسخ صراع “الأخوة الأعداء” كأول انحرافٍ للبوصلة البشرية عن مسار التكامل.
ولم يقف هذا الصراع عند حدود المادة، بل ارتقى ليصبح صراعاً مع الزمن نفسه؛ وهو ما نسميه “توق الخلود”. إنها المحاولة البشرية اليائسة للتمرد على حتمية الفناء بترك أثر لا يمحى؛ فتجلت في أهرامات مصر كجسرٍ يربط التراب بالنجوم، وفي تحنيط الجسد محاولةً لاستبقاء الروح في أسر المادة. هو صراعٌ ضد “اللاشيء”، ومحاولة لتعليب “الأنا” في قوالب الأبدية.
واليوم، ما الحروب والنزاعات التي تمزق وجه كوكبنا إلا الصدى المعاصر لهذا التاريخ المثقل بالنوازع. لقد تطور الصراع من اصطدام الأحجار إلى اصطدام الأفكار والعقائد والفلسفات الوجودية التي باتت تُشرعن نفي الآخر، وتجرده من صفة الشراكة في الإنسانية. هذا الانقسام الحاد خلق عالماً يعيش في زمنين متوازيين: ضفةٌ تغرق في نعيم الرفاهية والسلطة، وضفةٌ ترزح تحت وطأة الجهل والجوع المصنوعين بأيدي قوى الهيمنة، التي صاغت القوانين الدولية لتكون درعاً للمستبد وسيفاً على رقاب “الآخر”.
إن ما آل إليه إنسانُ اليوم هو الثمرةُ المرة لذلك السقوط الأول في اختبار النفس؛ حين كانت الأرضُ براحاً والأسرةُ واحدة، لكنَّ ضيقَ الصدر بالآخر جعل الوجودَ كله زنزانة. إنَّ هذا النكوص نحو البدائية، بعباءة الحداثة، يضعنا أمام الحقيقة العارية: أننا لم نغادر عتبة القتل الأولى، بل طورنا أدواتها فقط.
ويبقى السؤالُ معلقاً في أروقةِ الزمن: هل جُبلنا على الصراعِ قدراً، أم أنَّه خيارُنا الذي ضلَّ سبيلَ السلام؟ إنَّ استعادةَ إنسانيتنا اليوم تقتضي أن ندركَ بأنَّ الأرضَ تتسعُ للجميع، وبأنَّ البقاءَ الحقيقي ليس في إبادةِ “الآخر”، بل في ترويضِ “الذات”؛ فمن عَجزَ عن كبحِ وحشِهِ الداخلي، سيظلُّ -رغمَ حداثتهِ- ذلك البدائيَّ الذي يحملُ حجرَ قابيل في يده، يطاردُ ظِلهُ في عتمةِ الوجود، باحثاً عن خلودٍ لن يبلغه إلا حين يضعَ الحربَ أوزارها في أعماق نفسه أولاً.
الكاتب ماهر كمال خليل
