الإعلام الأكاديمي بين رسالة التنوير وهاوية التشهير منابر بلا هوية ومضامين بلا مصداقية

الإعلام الأكاديمي بين رسالة التنوير وهاوية التشهير
منابر بلا هوية ومضامين بلا مصداقية: ٠٠٠ حين تفقد الكلمة قيمتها ٠
بقلم أ م د والحقوقي
مهدي علي دويغر الكعبي
السبت ٢ ايار ٢٠٢٦
راي وتحليل
التشهير الإلكتروني بالكفاءات الأكاديمية: بين حرية النقد وجريمة الابتزاز
أربعة أصابع بين الحق والباطل: … كيف تحمي مؤسساتنا العلمية من الفوضى الرقمية؟
وهيبة الجامعة في ميزان الكلمة: … لا في منصات التجريح والاتهام
مقدمة تمهيدية:..
في زمنٍ اختلطت فيه الأصوات وتشابكت المصالح وأصبحت الشاشات الصغيرة منابرَ كبرى برز سؤالٌ مصيري يلح على وجدان كل غيور على العلم وأهله كيف نحمي قاماتنا الأكاديمية من سياط التشهير الإلكتروني التي لا تعرف رحمة ولا تستند إلى دليل؟ إن استهداف الرموز العلمية والإدارية بحملات ممنهجة تحت عناوين براقة توحي بالإصلاح، لم يعد مجرد تجاوز أخلاقي عابر بل تحول إلى ظاهرة خطيرة تهدد هيبة المؤسسة التعليمية وتقوض ثقة المجتمع بنخبه فالنقد البنّاء فن لكن التشهير الهادم آفة، والفارق بينهما قيد أربعة أصابع كما تقول الحكمة لكنه في ميزان الأخلاق والقانون مسافة شاسعة بين السماء والهاوية.
تفاصيل المقال:..
في مواجهة الفوضى الرقمية: … أين يقع الفصل بين النقد الموضوعي والتشهير الممنهج؟
يُعاني المشهد الإعلامي الأكاديمي اليوم من أزمة هوية حقيقية تمثلت في ظهور ما يمكن تسميته بـ”المنصات الرمادية” وهي مواقع إلكترونية تحمل تسميات أكاديمية براقة لكنها تفتقر إلى أبسط مقومات العمل الإعلامي الرصين وتتخفى خلف أسماء مستعارة أو جهات وهمية فتصبح منابرَ لا هوية لها، ومضامينَ تخلو من المصداقية وأهدافاً تتجاوز الإصلاح إلى الابتزاز والإيقاع بالكفاءات الوطنية.
إن التهجم على الشخصيات الأكاديمية والإدارية ــ سواء كانت قيادات جامعية أو أساتذة بذلوا حياتهم في خدمة العلم ــ لا ينسجم البتة مع القيم التي تأسست عليها المؤسسات العلمية، بل يتناقض تناقضاً صارخاً مع أخلاقيات العمل الأكاديمي التي تقوم على احترام الاختصاص وتقدير الجهد العلمي، والاحتكام إلى الدليل لا إلى الانطباع وإلى البرهان لا إلى الإشاعة. فالنقد حين يكون موضوعياً ومنصفاً يُعد أداة إصلاح حقيقية وتقويماً ضرورياً للأداء لكنه يفقد جوهره ومعناه عندما يُشوَّه بالاتهامات غير الموثقة ويتحول إلى وسيلة للنيل من السمعة أو تحقيق مكاسب شخصية على حساب المصلحة العامة.
لقد أفرز الفضاء الرقمي نمطاً خطيراً من الإعلام الموازي لا يلتزم بالتحقق، ولا يمنح حق الرد، ولا يستند إلى مصادر موثوقة، بل يعتمد على الإثارة وصياغة الاتهامات بلغة حادة جارحة، تهدف إلى التأثير في الرأي العام دون اكتراث بالنتائج الوخيمة المترتبة على ذلك. وهذه المنصات ــ التي تتستر خلف شعارات الرقابة والإصلاح ــ إنما تمارس فعلياً نوعاً من الابتزاز المعنوي، تستهدف به الرموز العلمية والإدارية، متى ما أرادت تصفية حسابات أو تحقيق نفوذ أو ابتزاز مالي أو معنوي.
ولا يمكن إنكار أن مؤسساتنا التعليمية شأنها شأن أي مؤسسة بشرية في العالم ليست بمنأى عن الخطأ أو التقصير أو الحاجة إلى التطوير لكن معالجة الأخطاء لا تكون عبر التشهير العلني أو إثارة الرأي العام بطريقة تفتقر إلى المهنية والموضوعية، بل من خلال اللجوء إلى الجهات المختصة التي تمتلك الصلاحيات القانونية والأدوات الرقابية للتحقيق والمحاسبة وفق الأطر المعتمدة. إن تجاوز هذه القنوات الرسمية لا يضر بالأفراد وحدهم، بل يسيء إلى سمعة المؤسسة الأكاديمية بأسرها ويهز ثقة المجتمع بها، ويُضعف هيبة العلم والعلماء في عيون الأجيال القادمة.
وفي هذا السياق تبرز أهمية التمييز الواضح بين حرية التعبير المشروعة والفوضى الإعلامية المدمرة. فحرية الرأي حق مكفول لكنها ليست مطلقة إلى درجة الإضرار بالآخرين أو المساس بكرامتهم وسمعتهم دون دليل قاطع أو سند قانوني كما أن الادعاء بامتلاك الحقيقة الكاملة، أو تجاوز المؤسسات الرسمية في إصدار الأحكام والتقييمات يعكس خللاً عميقاً في فهم طبيعة المسؤولية وحجم التعقيدات التي تحيط بالعمل الإداري والعلمي ويتنافى مع روح الموضوعية التي تقوم عليها الرسالة الأكاديمية.
إن حماية الكفاءات الوطنية من هذه الحملات المسعورة ليست ترفاً أو مجاملة، بل هي مسؤولية وطنية وأخلاقية وقانونية تقع على عاتق الجميع: المؤسسات التعليمية وهيئات النزاهة والإعلام الجاد والمجتمع المدني، بل وكل مواطن يدرك قيمة العلم وأهله والإعلام الأكاديمي الحقيقي هو الذي يلتزم بالمهنية، ويضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار، ويعتمد على الدقة والتقصي والتحليل العميق لا على الإثارة والتضليل والتجريح. كما أن المسؤولية لا تقع على عاتق الإعلام وحده بل تشمل المتلقي أيضاً، الذي ينبغي أن يتحلى بالوعي الكافي والنضج الفكري لتمييز الحقيقة من الادعاء والموضوعية من الانحياز وألا يكون أداةً سهلةً في تمرير حملات تستهدف النيل من كفاءات وطنية قضت عمرها في خدمة العلم والمجتمع.
في النهاية : …
تبقى المعركة بين الحق والباطل قائمة منذ الأزل، لكنها اليوم تأخذ شكلاً جديداً في الفضاء الرقمي، حيث تختلط الأصوات وتتشابك المصالح، وتُرفع رايات الإصلاح وفي القلب منها أهواء وأغراض. وبين هذا وذاك، يبقى الفيصل واضحاً لا لبس فيه: دليلٌ يُثبت، وقانونٌ يُنصف وأخلاقٌ تُحكم ومن دون هذه الركائز الثلاث، يتحول النقد إلى فوضى مدمرة والإصلاح إلى شعار فارغ، وتفقد الكلمة قيمتها ومعناها، ويصبح القول المأثور “بين الحق والباطل أربعة أصابع” واقعاً مؤلماً يُعاش حين تتسع الهوّة بين النصيحة الخالصة والتشهير الآثم وبين التقويم البنّاء والابتزاز الخسيس.
فليكن شعارنا جميعاً: … حماية هيبة الجامعة تبدأ بحماية كفاءاتها، وصون سمعة العلم يبدأ بصون أخلاقيات النقد.