حمورابي والمشروع الحضاري عبر الأجيال كيف تُبنى الدولة بالقيم قبل السلطة؟بقلم .. أ.م.د. مهدي علي دويغر الكعبي

حمورابي والمشروع الحضاري عبر الأجيال
كيف تُبنى الدولة بالقيم قبل السلطة؟بقلم .. أ.م.د. مهدي علي دويغر الكعبي
من شريعة حمورابي إلى أزمة القيم المعاصرة حين كان القانون عقيدة والوطن رسالة
بقلم .. أ.م.د. مهدي علي دويغر الكعبي
الخميس ١٨ كانون الأول ٢٠٢٥
رأي وتحليل
الهدف السامي .. حين كان الحكم خدمةً للإنسان لا نهباً للوطن .
مقدمة تمهيدية ..
بين أطلال التاريخ المشرق تقف سيرة حمورابي شاهدةً على عظمةٍ لم تُولد مصادفة ولم تُنجز بقرارٍ عابر بل نبتت من جذورٍ عميقة تغذّت على منظومة قيمٍ إنسانية وأخلاقية صاغتها خمسة أجيال متعاقبة لم يكن حمورابي ظاهرةً منفصلة عن زمنها بل ثمرةً ناضجة لشجرةٍ حضارية باسقة غرسها أسلافه بوعيٍ وإيمان جيلاً بعد جيل حتى غدا الحكم لديهم رسالةً لخدمة الإنسان لا امتيازاً للهيمنة ولا أداةً للنهب.
لقد سبقه إلى الحكم خمسة ملوك شكّل كلٌّ منهم حلقةً في سلسلة الإعداد الحضاري وأسّسوا معاً دولةً قوامها العلم والثقافة والعدل آمنوا بأن السلطة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مكسباً دنيوياً وبأن الحاكم مؤتمنٌ على الناس والبلاد، لا وصيٌّ عليهما. كانوا يعملون بوصفهم جسداً واحداً، لمصلحة المجتمع بأسره، لا لعشيرةٍ أو طائفةٍ أو طبقةٍ بعينها.
أما اليوم فقد انقلبت المعادلة في غير مكان؛ تحوّل الحكم إلى تجارة والمسؤول إلى تاجر، وغدا كثيرون يعملون لأنفسهم لا لأوطانهم. انكمشت الأحزاب إلى مصالح فئوية ضيّقة، وتراجعت البوصلة الأخلاقية، ومن فقد القيم عجز عن العطاء لأن فاقد الشيء لا يمنحه.
مقدمة تفصيلية …
من شريعة حمورابي إلى أزمة القيم المعاصرة .
حين نغوص في أعماق التاريخ ولا سيما تاريخ العراق القديم، لا نقرأ أخبار ملوكٍ غابرين ولا أحداثاً جامدة، بل ندخل عالماً متكاملاً من الوعي والعلم وبناء الدولة. إنه تاريخٌ صاغته العقول قبل السيوف، وبنته القيم قبل الجدران، فكان مجيداً لا لقِدمه بل لارتكازه على عقيدة خدمة الإنسان وربط السلطة بالمسؤولية.
في بلاد الرافدين، حكم ملوكٌ لم يعتمدوا القوة وحدها، بل قدّموا نموذجاً للحكم الرشيد القائم على المعرفة والنظام واليقظة الوطنية. وفي طليعتهم يقف الملك البابلي العظيم حمورابي؛ لا بوصفه فاتحاً عسكرياً فحسب، بل مشرّعاً إنسانياً أدرك مبكراً أن الدولة لا تُبنى إلا بالقانون، ولا تستقر إلا بالعدل.
حكم حمورابي بابل بين عامي ١٧٩٢ و ١٧٥٠ قبل الميلاد، وصوّرته النقوش قائداً حازماً، شجاعاً في ميادين القتال، وبصيراً في إدارة الدولة وحّد الدويلات المتناحرة وأرسى دعائم السلم في ربوع بلاد الرافدين وأقام نظاماً تشريعياً صار مرجعاً في تاريخ البشرية وقد وُصفت شريعته بأنها أسّست للأمن والنظام وجعلت من القانون سلطةً عليا لا تخضع لأهواء الحكّام ولا لمزاج الأقوياء.
ولعل أعظم إنجازاته لم يكن اتساع رقعة الدولة بل ترسيخ مفهوم الدولة القائمة على التشريع والنظام ونقل مركز الثقل الحضاري والسياسي في بلاد الرافدين وهو أثرٌ استمر قرابة ألف عام فقد أدرك أن بقاء الدول لا تحرسه كثرة الحروب بل ديمومة العدل.
صحيح أن حمورابي لم يكن أول مشرّع في التاريخ؛ فقد سبقته قوانين سومرية عدّة، غير أن شريعته تميّزت بالشمول والدقة والتنظيم. ضمّت (٢٨٢) مادة نظّمت شؤون الحياة كافة الأسرة والاقتصاد والزراعة والتجارة والطب والبناء والعقود والجرائم والعقوبات. وكانت روحها العامة حماية الضعيف من بطش القوي، وتجسيد شكلٍ مبكر من العدالة الاجتماعية.
استهلّ حمورابي شريعته بمقدمةٍ ذات نبرةٍ شبه مقدّسة، أعلن فيها أن الإله مردوخ كلّفه بنشر العدل ومنع الظلم وإضاءة البلاد بنور القانون هنا تتجلّى بوضوح عقيدة الحكم؛ إذ كانت خدمة الإنسان طريق التقرب إلى الإله، وكان القانون فعلاً أخلاقياً قبل أن يكون نصاً عقابياً.
نعم، بدت العقوبات قاسية بمقاييس عصرنا—من قطع اليد وفقء العين ومبدأ «العين بالعين»—غير أنها جاءت في سياقها التاريخي أداةَ ردعٍ لحفظ النظام وضمان الحقوق ومنع الفوضى. والأهم أن القانون كان مُلزِماً للجميع، وأن الملك نفسه خضع لسلطة الشريعة التي سنّها
مفارقة الحاضر … حين يغيب القانون وتُختطف الدولة .
إسقاط على الواقع العراقي المعاصر
في العراق اليوم تتجسّد هذه المفارقة بأوضح صورها فالدولة التي وُلدت من رحم تاريخٍ تشريعي عريق باتت تعاني انفصاماً بين النصّ والتطبيق وبين الدستور والواقع القوانين موجودة والمؤسسات قائمة شكلاً لكن روح الدولة غائبة حين تُدار السلطة بمنطق التوازنات لا بمنطق العدالة وبحسابات النفوذ لا بميزان المصلحة العامة. تُعطَّل المساءلة عند أول تماسّ مع مراكز القوة وتُفرَّغ الرقابة من مضمونها ويُترك المواطن وحيداً في مواجهة منظومةٍ تعرف كيف تحمي نفسها أكثر مما تعرف كيف تخدم الناس.
يتحوّل المال العام إلى ملفّ مؤجّل وتُدار الأزمات بسياسة التسويف وتُستبدل هيبة القانون بسطوة الواقع. تُرفَع الشعارات الكبيرة في العلن بينما تُدار الدولة في الخفاء بعقودٍ رمادية وتسوياتٍ صامتة وتنازلاتٍ تُدفع كلفتها من مستقبل الأجيال وهكذا لا يكون الخلل في النصوص ولا في الموارد بل في غياب الإرادة السياسية التي تجعل من القانون مرجعيةً نافذة لا ورقةً للزينة ومن المنصب أمانةً لا مكسباً ومن الوطن مشروعاً جامعاً لا ساحة صراع دائم.
حين نقارن نموذج حمورابي بما يعيشه واقعنا السياسي المعاصر، تتكشّف مفارقةٌ فاضحة لا تحتاج إلى كثير عناء لإثباتها. ففي الزمن الذي كان فيه القانون عقيدةً مُلزِمة والوطن رسالةً أخلاقية، والحاكم خادماً للنظام، نعيش اليوم زمناً انقلبت فيه الأدوار فصار القانون خادماً للسلطة والدولة غنيمة، والمنصب وسيلةَ إثراء ونفوذ لا أداةَ خدمة ومسؤولية.
لم تعد السلطة في كثير من تجاربنا الحديثة امتداداً لفكرة الدولة بل قطيعةً معها. تحوّلت الوظيفة العامة من أمانة إلى صفقة ومن تكليف إلى تشريف ومن واجب أخلاقي إلى بابٍ مفتوح للنهب المنظّم. وغدا المسؤول—في حالاتٍ غير قليلة—فوق المساءلة، محصّناً بالولاءات محاطاً بشبكات المصالح بينما يُدفع المواطن إلى الهامش ويُترك القانون معطّلاً أو مُفرغاً من روحه.
في زمن حمورابي كان الملك يُقنّن سلطته ليقيّد نفسه قبل أن يقيّد الناس أما اليوم فكثيرون يسعون إلى تفصيل القوانين على مقاسهم أو تعطيلها عند أول تعارض مع مصالحهم. هناك كانت الشريعة تُكتب لتمنع الظلم؛ وهنا تُفرّغ النصوص لتبرّر الفساد. هناك، كان القانون سيفاً بوجه القوي إذا اعتدى وهنا يُشهر بوجه الضعيف وحده.
الأخطر من ذلك أن هذا الانحراف يُغلَّف غالباً بخطابٍ ديني أو وطني أو ثوري فتُستباح الأموال باسم العقيدة، وتُصادَر الدولة باسم المظلومية وتُكمّم الأفواه باسم الاستقرار. وهكذا لا يُسرق الوطن فقط بل يُشوَّه الوعي العام، ويُعاد تعريف الخيانة على أنها ولاء، والفساد على أنه حنكة سياسية.
إناستحضار تجربة حمورابي في هذا السياق ليس ترفاً فكرياً ولا حنيناً رومانسياً، بل فعل إدانة صريح لواقعٍ سياسي فقد مرجعيته الأخلاقية فالدول لا تنهار حين تضعف مواردها فقط بل حين تُفصل السياسة عن القيم، ويُنزَع القانون من موقعه كمرجعية عليا ويُختزل الوطن في جماعة أو حزب أو زعيم.
لقد علّمنا تاريخ العراق القديم أن الحضارة تُبنى حين تكون السلطة خاضعة للقانون، لا حين يُسخَّر القانون لحماية السلطة. وأن الدولة تفقد معناها حين يصبح الحاكم سيّداً على الناس، لا خادماً لهم، وحين يُدار الوطن بعقلية الغنيمة لا بعقلية الرسالة.
في النهاية …
إن قصة حمورابي وأسلافه ليست سرداً تاريخياً بل مرآةً سياسية كاشفة فهي تقول بوضوح إن الحضارات لا تُشيَّد بالخطب ولا بالشعارات ولا تُحفظ بالقمع ولا بالتحالفات بل تُبنى بتراكمٍ أخلاقي طويل وبنخبة تؤمن بأن الحكم تكليفٌ ثقيل لا مكسبٌ سريع.
لقد آن الأوان لإعادة طرح السؤال الجوهري .. هل نريد دولة قانون أم سلطة نفوذ؟ هل نبحث عن وطنٍ يتّسع للجميع أم عن دولةٍ تُدار لحساب القلّة؟ فحين يكون الحاكم خادماً للقانون لا متسلطاً عليه وخادماً للشعب لا سيّداً فوقه فقط عندها تتحول الدولة إلى حضارة ويستعيد الوطن معناه وتعود السياسة فعلاً أخلاقياً لا مهنةً للنهب .


