المقالات

بين الذاكرة والقطيعة: الأدب العربي من سؤال التراث إلى رهان المعاصرة:  

بين الذاكرة والقطيعة: الأدب العربي من سؤال التراث إلى رهان المعاصرة:

 

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

 

ليست القطيعة بين الأدب العربي القديم والأدب العربي الحديث مجرّد تحوّلٍ في الأساليب والأجناس، بل هي ـ في عمقها ـ أزمةُ وعيٍ بالزمن، وسؤالُ هويةٍ جُرِّد من سياقه التاريخي وأُلقي في مهبّ الحداثة دون جسور. فمنذ أواخر القرن الثامن عشر وطوال القرن التاسع عشر، ومع احتكاك العالم العربي بالغرب الاستعماري والفكري، تشكّل خطابٌ ثقافيٌّ يرى في الأدب العربي الحديث ابناً شرعياً للأدب الأوروبي الحديث، لا وريثاً طبيعياً لذاكرةٍ بلاغية وسردية وشعرية ضاربة في عمق القرون.

هكذا وُلدت الحداثة العربية الأدبية في مناخٍ إشكالي: حداثةٌ جاءت غالباً بوصفها استيراداً لا امتداداً، وقطيعةً لا تحوّلاً، وكأنّ التراث لم يكن سوى عبءٍ لغويٍّ وجماليٍّ يجب التخلص منه، لا طاقة كامنة ينبغي إعادة تأويلها.

القطيعة بوصفها خطاباً لا قدراً

ليست القطيعة، كما يذكّرنا عبد الفتاح كليطو، حقيقةً موضوعية بقدر ما هي خطابٌ عن القراءة. فالتراث، في نظره، لا يصمت إلا حين نكفّ عن مساءلته، ولا يموت إلا حين نُحيله إلى متحفٍ لغويٍّ جامد. في كتاباته عن السرد العربي القديم، من الأدب والغرابة إلى لن تتكلم لغتي، يفكك كليطو وهم التعارض بين القديم والحديث، مؤكداً أن النصوص القديمة ليست أقل حداثةً في أسئلتها، بل أقل حظاً في قرّاء معاصرين قادرين على استنطاقها.

إن توصيف الأدب العربي الحديث بأنه أقرب إلى الأدب الأوروبي منه إلى الأدب العربي القديم، يكشف ـ في العمق ـ عن خللٍ في علاقتنا بالتراث، لا عن فقرٍ في التراث ذاته. فالمقامات، وكتب الرحلة، والسير، وأدب الاعتراف الصوفي، والرسائل، ليست أشكالاً منقرضة، بل أنماط سردية مرنة، كان يمكن أن تكون خزّاناً هائلاً للتجديد، لو أُعيدت قراءتها بعينٍ نقدية لا بعين التقديس أو الرفض.

بين الاستلاب والتحديث: مأزق النهضة

أدرك مفكرو النهضة العربية الأوائل خطورة هذه القطيعة، لكنهم تباينوا في مقاربتها. فطه حسين، في مشروعه النقدي، دعا إلى إخضاع التراث لمنهج العقل والشك، لا إلى إلغائه. والجابري، لاحقاً، ميّز بين العقل المكوِّن والعقل المكوَّن، محاولاً تحرير التراث من سلطته المعيارية دون إنكار قيمته المعرفية. أما عبد الله العروي، فرأى أن الحداثة لا تُؤخذ مجزأة، وأن التأرجح بين الوفاء للتراث والارتهان للغرب يُنتج وعياً مأزوماً لا هو حديث ولا هو أصيل.

غير أن هذه المشاريع، على اختلافها، ظلت أسيرة سؤالٍ واحد: كيف نكون حداثيين؟ بينما السؤال الأعمق ـ الذي طرحه كليطو بصيغة أدبية ذكية ـ هو: كيف نقرأ؟ ومن أي موقع نقرأ نصوصنا القديمة؟

دور الأدباء المعاصرين: من القطيعة إلى الوساطة الخلّاقة

هنا يتحدّد الدور الأخلاقي والمعرفي للأديب العربي المعاصر. ليس مطلوباً منه أن يكون ناسخاً للقديم ولا مترجماً أعمى للغرب، بل وسيطاً خلّاقاً بين الأزمنة. فالأديب، كما يرى إدوارد سعيد، ليس حارس تقاليد ولا موظف حداثة، بل مثقف يقيم في منطقة التوتر، حيث تُعاد صياغة الأسئلة لا استهلاك الأجوبة.

إن مسؤولية الأدباء اليوم تتجلّى في ثلاث مهمات كبرى:

إعادة تأويل التراث لا استعادته: أي التعامل مع النصوص القديمة بوصفها إمكانات جمالية وفكرية قابلة للتجدد، لا نماذج مكتملة. فالشعر الحر، والرواية، وقصيدة النثر، تستطيع أن تتحاور مع البلاغة العربية، لا أن تنفيها.

تفكيك وهم الأصالة والحداثة: فالأصالة ليست نقيض التجديد، والحداثة ليست مرادف القطيعة. كما نبّه أدونيس، فإن التراث نفسه كان سلسلة من الثورات والانقطاعات، لا كتلةً صمّاء.

تأسيس قارئ جديد: لأن الأزمة ليست في النصوص وحدها، بل في أفق التلقي. فالأدب المعاصر مطالب بإعادة تربية الحسّ القرائي، ليقرأ المتنبي كما يقرأ كافكا، والجاحظ كما يقرأ بورخيس، دون عقدة نقص أو وهم تفوق.

نحو مصالحة زمنية لا تلفيقية

إن المصالحة المطلوبة بين الأدب العربي القديم والحديث ليست تلفيقاً سطحياً ولا توفيقاً أخلاقياً، بل مصالحة زمنية تعترف بأن الأدب كائنٌ تاريخيٌّ متحوّل، لا هوية ثابتة. فحين نكفّ عن النظر إلى التراث بوصفه ماضياً مغلقاً، وإلى الحداثة بوصفها قدراً مستورداً، سنكتشف أن القطيعة لم تكن حتمية، بل نتيجة قراءة متسرّعة ومخيالٍ مأزوم.

في هذا الأفق، يغدو الأديب العربي المعاصر شاهداً لا قاطع طريق، وبانياً للجسور لا هادماً للذاكرة. وحينها فقط، يمكن للأدب العربي أن يستعيد حيويته: لا باعتباره صدىً لأوروبا، ولا ظلاً لماضٍ مقدّس، بل خطاباً حيّاً قادراً على محاورة العالم بلغته الخاصة، وبذاكرته التي تعلّمت أخيراً كيف تُنصت إلى نفسها.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار