
📍#شخصية_اليوم: #الشاذلي_المكي (مايو 1913 – سبتمبر 1988)
ولد في “خنقة سيدي ناجي” ولاية “بسكرة” حيث حفظ القرآن الكريم، تيتم وهو في الثانية من عمره وقام بتربيته شقيقه سي محمد الذي انتقل معه إلى تبسة.
تلقى تعليمه الأولي في الزاوية المحلية على يد “العربي التبسي” وسعدي الصديق.
لكسب قوت يومه عمل نجارًا، وفقد يده اليسرى في حادث عام 1933.
انتقل إلى قسنطينة وتتلمذ على يد “الشيخ عبد الحميد بن باديس” .
في سن الثامنة عشرة، انضم إلى حزب الشعب الجزائري بزعامة مصالي الحاج، ثم سافر إلى تونس عام 1934 للدراسة في جامعة الزيتونة، وهناك شارك في تأسيس فرع للحزب مع إبراهيم مزهودي، ودعا إلى تكوين حركة طلابية جزائرية، واستمرت دراسته في تونس حتى عام 1939.
ألقت السلطات الفرنسية القبض على شقيقه سي محمد، الناشط أيضاً في الحزب، وعلى زعيمه مصالي الحاج في 4 أكتوبر 1939، وعقب حظر حزب الشعب، اعتُقل الشاذلي كي أيضاً في أبريل 1940، ونُقل لاحقاً إلى معسكر اعتقال “جنان بورزق” جنوب وهران، حيث قضى عقوبة بالسجن لمدة ثلاث سنوات.
بعد إطلاق سراحه أصبح عضواً في قيادة حزب الشعب في ولاية قسنطينة.
غادر الجزائر في صيف 1945 بعد ما صدر عليه الحكم بالإعدام غيابيا بتهمة تنظيمه لمظاهرات 8 ماي 1945(د.مولود عويمر- مصطفى نويصر ) وتوجه إلى القاهرة بأمر من قادة الحزب ليفتتح مكتبًا للحزب (الذي أصبح حزبا سرّيا بجناح ينشط علنيا ويحمل اسم يحمل حركة الانتصار للحريات الديموقراطية (أسلوب جبل الثلج) وفي نفس الوقت للتنسيق مع بقية قيادات المغرب العربي الموجودة في القاهرة..
تفجر نشاط الشاذلي في مصر حيث كان اسم الجزائر مجهولا مقارنة بمعرفة سطحية بتونس ومراكش (الاسم المستعمل آنذاك للمغرب) وكان الجميع يسمون مغارية، وهكذا راح يعمل بدون كلل ولا ملل لزرع اسم الجزائر على الساحة السياسية والإعلامية المصرية.
اشترك في مؤتمر المغرب العربي، الذي انعقد في الفترة من 15 إلى 22 فبراير 1947، والذي شهد افتتاح مكتب المغرب العربي في القاهرة، وكان الهدف منه توحيد السياسيين والناشطين من شمال إفريقيا، وكان إلى جانبه كلٍّ من التونسي الحبيب بورقيبة (حزب الدستور الجديد) والمغربيين علال الفاسي وعبد الخالق الطريس(حزب الاستقلال).
كانت الهدية الكبرى للمكتب هي لجوء الأمير عبد الكريم الخطابي بطل الريف إلى مصر في عملية “روكامبولية ” خلال مروره عبر قناة السويس قادما من جزيرة “لا رينيون” الذي كان منفيا فيها ومحمولا إلى مراكش، وطلب الأمير اللجوء السياسي إلى مصر فرحب بذلك الملك فاروق، ولسابق نضاله اعتبر الأمير راعيا معنويا لمكتب المغرب العربي، وبدأ العمل مباشرة في تكوين مجموعة من الضباط لتشكيل النواة الأولى لجيش التحرير المغاربي، وكان من بينهم الضابط المغربي الهاشمي الطود الذي التحق فيما بعد بجيش التحرير الجزائري .
توسع نشاط الشاذلي المكي إلى المجال العربي الكبير فعقد علاقات نضالية مع القيادات الليبية المقيمة في القاهرة، ومع حركة الإخوان المسلمين عبر المناضل الجزائري الفضيل الورتلاني، وكذلك مع حركة الشبان المسلمين عبر رئيسها اللواء طلعت حرب، ومع الهيئة العربية العليا التي كان يرأسها المناضل الفلسطيني الحاج أمين الحسيني عبر صديقه ممثل المغرب العربي في لجنة عروبة القدس الشيخ الهلالي عميمور، الذي كُلُف بنشر الطريقة العلوية في فلسطين، وعُيّن واعظا لمنطقة شمال فلسطين، مع الإقامة المؤقتة في غزة.
عندما ازدادت حرارة الصراع بين الي. هود والفلسطينيين وتجمع المتطوعين لقتال الص. هاينة في نهاية الأربعينيات كان الشاذلي المكي حريصا على أن يلتقي بهم ويحيهم باسم الجزائر والمغرب العربي
في فبراير 1951، وكما يقول المثل الجزائري “طوالو كِرْعيه”، فشارك في المؤتمر الإسلامي العالمي في كراتشي بباكستان، وفي مارس من العام نفسه سافر إلى الهند، حيث التقى رئيس الوزراء جواهر لال نهرو في نيودلهي ليحدثه عما يعانيه الجزائريون
(ويكيبيديا – النص الألماني).
حرص على الاتصال برئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق الذي كان يستعد لتأميم النفط الإيراني.
بذكاء إعلامي كبير نظم الشاذلي في بداية الخمسينيات زيارة مصالي الحاج لمصر لربط العلاقة المباشرة بينه وبين عبد الرحمن عزام باشا الأمين العام لجامعة الدول العربية ومساعده علي نوفل، ورافقه في مبادرة إعلامية لا سابق لها لوضع إكليل من الزهور على تمثال مصطفى كامل بطل الوطنية المصرية في قلب القاهرة، ورافق أب الوطنية الجزائرية صبي يمثل الجيل الجزائر الصاعد، كان اسمه محيي الدين عميمور.
خلال هذا المرحلة كلها كان الشاذلي المكي هو الراعي الأول لكلّ الجزائريين في مصر وبوجه خاص الطلبة، وكان ملجأ كل من تضطره الظروف لطلب العون والرعاية، ولعله كان أيضا ملاذ كل أبناء شمال إفريقيا في مصر ومن بينهم أبناء ليبيا
كان الشاذلي المكي يمثل وحده سفارة كاملة، بسفيرها ومستشاريها وبروتوكولها وسائقيها وسكريتاريتها، يناضل بإمكانيات محدودة في المجال السياسي والديبلوماسي والثقافي والإعلامي لزرع الوجود الجزائري في قلب الوطن العربي وصدر العالم الإسلامي.
تلقى الصدمة الكبرى في 1953عندما أصابه جزاء سنمار من اللجنة المركزية للحزب وعلى غير رغبة مصالي (مصطفى نويصر) وهكذا عُزِل من منصبه كممثل للحزب في المشرق العربي، وعُين مكانه المناضل محمد خيضر، وفي ظروف وبمبررات لم تعرف قط على وجه الدقة، ومرت الأمور بمرحلة معقدة غطّى فيها الضباب كل شيئ
تحالف، بالتعاون مع أحمد مزغنة، مع الشيخ البشير الإبراهيمي والشيخ الفضيل الورتلاني، وكلاهما كانا متحالفين مع قيادة الإخوان المسلمين، وذلك في المرحلة التي عرفت فيها مصر مجيئ أحمد بن بله وتحالفه مع قيادة الثورة المصرية بالزعامة الظاهرية للواء محمد نجيب، والقيادة الفعلية للمقدم جمال عبد الناصر.
بعد قيام الثورة الجزائرية عام 1954 أصبح الوفد الخارجي لجبهة التحرير الوطني هو المحاور الوحيد مع القيادة المصرية، في حين ارتبط الشاذلي المكي بالحركة التي يرأسها مصالي الحاج والتي حملت اسم الحركة الوطنية، فأصبح في مصر شخصاً غير مرغوب فيه لتناقضه مع قيادة جبهة التحرير المتحالفة مع القيادة المصرية.
في لحظة معينة بدأت محاولة توفيق كانت في واقع الأمر سرابا، وذلك في فبراير 1955 عندما جُمعت كل القيادات الجزائرية في القاهرة في منزل ضابط المخابرات المصري فتحي الديب (ولا يعرف من هو صاحب مبادرة الاجتماع وتردد أن الشاذلي هو صاحب الفكرة بينما قال آخرون أنها كانت فكرة جمال عبد الناصر لتذويب الخلافات بين القيادات الجزائرية) ونتج عن اللقاء بيان رائع الصياغة متمسك بوحدة العمل الثوري (قيل أن محرره هو الشاذلي مع الفضيل) سجل اتفاق كل الأطراف (جبهة التحرير والحركة الوطنية وجمعية العلماء) على توحيد الجهود و”إنشاء” جيش تحرير الجزائر وجبهة تحرير الجزائر (لكن الثورة كانت قد بدأت بالفعل منذ شهور ولم تنتظر البيان المذكور).
عندما بدأ الإعداد لعقد مؤتمر باندونغ في أبريل 1955 رأى الوفد الثلاثي لجبهة التحرير في القاهرة أن قوة الوفد الجزائري في المؤتمر تتطلب واحدية #التمثيل، وسافر الوفد الجزائري المكون من حسين آيت أحمد ومحمد يزيد في طائرة الوفد المصري، ورُويَ أن أحمد بن بله رفض مشاركة الجناح الآخر الذي كان يمثله الشاذلي وأحمد مزغنة في المؤتمر، وقيل أنه ألقي القبض عليهما لمنعهما من السفر وإن كانت هناك معلومات تقول أن مؤتمر باندونغ تلقى رسالة من مصالي الحاج وجهها له الشاذلي، بل إن الشاذلي شارك في المؤتمر (بلغيث ومصطفى نويصر).
وانعكس الصراع الذي عرفته القاهرة بين قيادة الثورة المصرية وحركة الإخوان المسلمين على العلاقات بين حلفاء كل من الطرفين، وهناك غادر قادة جمعية العلماء إلى السعودية وظل الشاذلي المكي في وضعية العزلة السياسية بعد أن اختار الارتباط بمصالي الحاج، وسيدفع ثمن ذلك غاليا.
في أكتوبر 1963 عاد إلى الجزائر بدون أي ضجيج وكأي مواطن عادي، وربما كان رفضه التنكر لارتباطه بالحركة الوطنية (مصالي) السبب في أنه لم يحصل على أي منصب في مستوى جهاده، يماثل أو يقترب ممن ارتبطوا مثله أو بدرجة أقل أو أكثر، ولكنهم لم يكونوا من المعربين.
التحق كموظف بسيط بسلك التعليم بكل شجاعة وتجرّدٍ، ثم رُقّيَ بفضل جهوده ومقدرته إلى منصب مدير مدرسة حسيبة بن بوعلي الثانوية في القبة.
منذ عام 1967، شغل منصب نائب مدير وزارة التربية والتعليم الجزائرية، وبين عامي 1979 و1982، عمل في #وزارة الشؤون الدينية.
توفي في 2 سبتمبر 1988، بعد صراع طويل مع المرض.
يرى الشيوعيون، فيما نُقِل عن عمار أوزغان، أن الشاذلي المكي خطيب مفوه، وقومي ملتزم، وناشط في سبيل الدين الإسلامي، كما أنه مؤيد متحمس لأدولف هتلر ومعادٍ للسامية بشكل قاطع.!!! (ويكيبيديا)
ويقول الدكتور: محمد الأمين بلغيث عنه إنه وطني حتى النخاع، وقام بدور هام في انتفاضة 1945، قبل أن يفرّ إلى القاهرة، وهو أحد العمالقة الكبار الذين قاموا بمعية الدكتور مصطفاي، بإعطاء العلم الجزائري شكله الحالي إلى غاية ترسيمه من طرف البرلمان الجزائري سنة 1962.
ويذكر أن من القلائل الذين كتبوا عنه الدكتور مولود عويمر وخصوصا في البصائر (المعلومات الرئيسية من “ويكيبيديا” باللغة الألمانية، في حين أن ما نقلته الوكالة بالعربية وحتى بالفرنسية كان شحيحا، ومن بعض #الصحف الجزائرية كالمساء والبصائر.
كالعادة اتجهت إلى واحد من معاصري الشاذلي المكي ومن عاشوا إلى جانبه وتتبعوا مساره، وهو الدكتور محيي الدين عميمور، الذي يقول:
بداية، أحيي حرصك على ذكر المصادر التي اعتمدتِ عليها في المنشور الذي يحيي ذكرى الشاذلي مكي بشكل موضوعي لا يتوقف عند تعبير “اذكروا محاسن موتاكم”، مع تحفظك على بعض المعطيات التي أوردتها بعض المصادر، مثل ما نُسب لعمار أوزغان في المصدر الألماني.
وبالطبع فإن على من يشكك في المعلومات الواردة أن يقدم تصحيحا أو تكذيبا موثقا، خصوصا وأن هناك من ادعى، وبتوقيع مستعار، أن المنشور يسيء للمناضل الكبير.
وإذا كان الرجل قد أخطأ في اختيار خندقه في لحظة معينة لتشابك المعطيات، فالتاريخ يسجل أنه كان من الرجولة والأنفة بحيث لم يحاول أن يعتذر عن اختياره ليكسب موقعا متميزا في الخندق الآخر.
وليس سرا أن “الشيخ الشاذلي”، كما كنا نُطلق عليه، نحن طلبة الجزائر في القاهرة، كان يناضل بكل عزيمة في العاصمة المصرية منذ الأربعينيات للتذكير بكفاح الجزائر واستنفار الدعم لشعبها، وتمكن بذكائه ونشاطه من انتزاع موقع متميز على الساحة
السياسية العربية، في مرحلة كانت فيها الجزائر مغيبة بشكل عام عن الإعلام بعيدة عن الأذهان، ومن الأمثلة الكاريكاتورية أن الفنان فريد الأطرش لم يذكر في أغنيته الشهيرة “بساط الريح” إلا تونس ومراكش.
ولا بد هنا من التذكير بأن من #الفنانين القلائل الذين كانوا يعتزون بالجزائر وبصداقتهم مع #الشيخ_ البشير الإبراهيمي الفنان المصري الكبير يوسف وهبي، وقد رأيت يزوره أكثر من مرة في القاهرة.
المهم بالنسبة لسؤالك أقول إنني عرفت الشيخ الشاذلي جيدا في بداية الخمسينيات، حيث كنت أحاول، وعمري لا يتجاوز15 سنة، الفرار من الدراسة في الأزهر، فلقيت منه الدعم المادي والمعنوي، وبفضله تمكنت من الالتحاق بالدراسة المدنية لأحصل فيما بعد على البكالوريا وأتمكن من دراسة الطب، بعد أن ضمني الشيخ البشير الإبراهيمي إلى بعثة جمعية العلماء التي كانت قد وصلت إلى العاصمة المصرية.
وكان الشيخ الشاذلي في الأربعينيات والخمسينيات هو راعي كل الجزائريين في مصر، والطلبة بوجه خاص، وكان من بين الطلبة الذين كان يرعاهم محمد بو خروبة (الرئيس هواري بو مدين) ومولود قاسم ( مستشار الرئيس والوزير فيما بعد) وآخرين نسيتهم.
وأتذكر هنا يوم أُلقي القبض على الطالب بو خروبة إثر مشاركته في تجمهر احتجاجي ضد القنصلية الفرنسية كنا نظمناه أكثر من مرة للشكوى من ضآلة المنحة التي تمنح للطلبة، وكانت جنيهين أو ما يعادل عشرين دينارا في الشهر ( وقال لي الرئيس ضاحكا وهو يستذكر معي تلك الأحداث في السبعينيات عندما تشرفت بالعمل إلى جانبه: لقد تظاهرتُ تضامنا معكم، فأنا لم أكن معنيا بقضية المنحة لأنني لم أكن أتقاضاها أساسا ولا سعيْتُ لها).
المهم أن القنصلية استنجدت بمحافظة الشرطة المصرية المكلفة بحماية المقار الديبلوماسية، وكانت النتيجة أن قبضت على من استطاعت الإمساك به، وهكذا اصطادت محمد بوخروبة (أي الرئيس).
وتم الاستنجاد بسرعة بالشيخ الشاذلي الذي وصل وتحت إبطه #جريدة مصرية، وكان واضحا على وجهه، والعهدة على الراوي، إدراكه أن التهمة كانت خطيرة، فهي اعتداء على مقر ديبلوماسي، والذي حدث خلال حديث الشيخ واقفا مع محافظ الشرطة هو أن الجريدة سقطت “صدفةً” على مكتب الضابط الذي لاحظ أن الشيخ مبتور اليد، فتناول الجريدة ليعيدها له لكنه فوجئ، وهو يُحاول طيّها، بأنها تحمل على صفحتها صورة الشيخ الشاذلي مع الرئيس محمد نجيب.
وتضاءل تشدد المحافظ على الفور حال رؤيته للصورة وقال لمساعده: بما أنه ليست هناك شكوى “رسمية” من السفارة الفرنسية فيطلق سراح الشاب مع “البيه”.
ولن أعود لسيرة الشيخ الشاذلي التي وردت سابقا في المنشور، لكنني سأتوقف عند الإعلان عن اللغز، ومعنى الحديث الشريف الذي يقول إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها.
والذي حدث هو أن الشاذلي ناضل طوال حياته من أجل حرية الجزائر واستقلالها، لكنه اختار في خاتمة حياته النضالية (كما سمعنا آنذاك) ألا ينضم إلى جبهة التحرير الوطني بدافع الوفاء لمصالي الحاج، وكان من يفعل ذلك يُوصم بالخيانة.
وأنا أقرر هنا واقعا عشناه عن بُعدٍ كطلبة لا يعرفون كل خبايا الأمور، ولا أسمح لنفسي بالحكم على قامة مثل #الشاذلي_المكي، وإن كنت أؤمن بأن مسيرته النضالية كان يجب أن تؤخذ ككل، ولا يتم تجاهل ماضيه المشرف ونضاله المستميت في سبيل الجزائر.
والواقع المشكل المؤلم بالنسبة له كان بعد استرجاع الاستقلال، حيث تميزت تلك المرحلة بالنفور الكبير من كل ما ارتبط ومن ارتبط بالحركة التي تزعمها مصالي الحاج.
وأعترف هنا أنني فوجئت شخصيا عندما علمت فيما بعد بأن موقف مصالي من الجبهة لم يكن متشنجا كما كنا نعتقد، حيث بدا أن هناك تعتيما كاملا أصاب أب الوطنية الجزائرية.
ولقد سمعت من محمد العربي الزبيري في بداية السبعينيات، وعلى مسمع من رابح بيطاط وعبد العزيز بوتفليقة، وكنا في ضيافة سفير لبنان عبد الرحمن عدرة، ما لا أجرؤ على التشكيك فيه، لمجرد أن الحضور، وهُمْ من هُمْ، لم يفعلوا ذلك (وكنت كتبت عن ذلك في حياة الثلاثة على ما أتذكر).
قال الزبيري بأن السلطات الفرنسية اتصلت بمصالي الحاج في بداية الستينيات للمشاركة في المفاوضات، وكان ردّ مصالي: المفاوض الوحيد هو جبهة التحرير.
وأتذكر أن بو تفليقة انتفض قائلا سائلا محمد العربي عن مصدر المعلومة فقال إنه عبد الله بن طوبال (وأظنه ذكر ذلك في بعض كتبه).
وأنا لست مؤرخا لكي أرفض أو أؤيد ولا أؤكد ولا أنفي تلك الواقعة بل أكتفي برواية ما سمعته مباشرة تاركا للمؤرخين التحقق من هذا الأمر الذي يُغيّر الكثير من المعطيات.
ما يهمني هنا هو أن اللعنة صاحبت الشاذلي المكي حتى آخر يوم في حياته.
كنت أزور الشيخ الشاذلي في شقته المتواضعة في حي “ليزاسفوديل” ببن عكنون مع الزميلين المدني حواس والهادي حمدادو، فيقوم بنفسه بخدمتنا (وهو بيد واحدة) حيث لم يكن عنده من يعاونه، وكان يحمل أدوات الشاي ويتقدم بها نحونا ببساطة العظماء، وأشهد أنني لم أسمع منه يوما تبرما أو شكوى من السلطات التي لم تقدر ماضيه، بل ولم أسمع منه لوما لشخصيات سامية لعلها استفادت يوما من أفضاله لكنها تجاهلته.
كان الرجل صابرا صبورا يجتر الألم والمرارة بدون أن يشير لما كان يعانيه.
وكنت أحيانا ألمحه راجلا وأنا أمرّ بسيارتي عبر الحي، فأتوقف وأنزل من السيارة لتحيته، وأشهد أنني لم أسمع منه يوما تبريرا لمواقفه أو استجداء للعفو بهدف أن أنقله إلى السلطات العليا،
وعندما كنا ننهي الدردشة كان العملاق العظيم، قيمة وجسما، يسرع محاولا أن يفتح لي بنفسه باب السيارة، وأمنعه بالطبع بكل إصرار، ويستغرق الأمر عدة دقائق من الشد والجذب إلى أن يدرك أنني لن أمكنه من ذلك.
لكن تعامل كثيرين معه كان لا يعطيه حقه.
وأتذكر أنني ذهبت يوما في إطار التزاماتي الوظيفية إلى مقر وزارة الشؤون الدينية لأبحث مع الوزير بعض المعطيات المتعلقة بتنظيم احتفال المولد النبوي، والذي كان سيجري بحضور الرئيس (الشاذلي بن جديد).
وطلب الوزير من سكرتيره استدعاء الموظف المكلف بالملف، وبالفعل دخل الموظف فإذا به الشيخ الشاذلي المكي، فوقفت على الفور لتحيته، وعندما دعاني الوزير، الذي كان لا يزال جالسا، بإشارة من يده اليمنى إلى أخذ مقعدي بينما لم يُشر بذلك للواقف أمامه، قلت بكلمات جافة لم يعهدها مني: أنا لا أجلس والشيخ الشاذلي مازال واقفا.
ولا ألوم الوزير، فذلك كان يمثل فتور التعامل آنذاك مع كل من ارتبط بمصالي الحاج، والذي توسع فيما بعد فأصبح يكاد يشمل بشكل عام حتى كل من أصبح يعيش وضعية التقاعد من الإطارات، خصوصا الإطارات السياسية السامية، أو إذا تردد أن القمة ليست راضية عنه، كما حدث يوما مع مفدي زكريا، الذي جعله النفور حوله فيما أعتقد، يفضل الذهاب إلى تونس.
وهذه كلمات للجيل الصاعد آمل أن تذكرهم بأن من لا يحترم كباره سوف يلقى نفس المصير من صغاره.
وكل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، ورحم الله كل من سبقونا إلى دار البقاء.
________
بالتعاون مع: الدكتور محيي الدين عميمور،)
الصور من ألبوم ذكريات الدكتور عميمور
سمية معاشي
