
الأستاذة رجاء صديق مديرة مدرسة الشهيد كرات نور الدين بالمحمدية: حين يشعر الطفل بالأمان يبدأ التعلم الحقيقي
في إطار الاهتمام بدور المدرسة في بناء الأجيال، كان لنا حوار مع الأستاذة رجاء، مديرة مدرسة الشهيد كرات نور الدين بالمحمدية، التي أكدت أن المدرسة اليوم لم تعد مجرد فضاء لتلقين المعارف وحفظ المعلومات، بل أصبحت مجتمعا مصغرا يكتسب منه الطفل وعيه وثقافته وتربيته وسلوكه، إلى جانب ما تقدمه له من مهارات أساسية للحياة.
وتوضح المتحدثة أن المدرسة لا تنقل المعلومات والمعارف الأكاديمية فقط، بل تعدّى دورها ليصبح دورا تربويا شاملا وهادفا، يسعى إلى بناء إنسان كامل ومتكامل في شتى مجالات الحياة التي ستواجهه مستقبلا.
ففي المجال الأكاديمي، تعد المدرسة الوسط الأساسي لاكتساب جل المعارف والقيم والمهارات العلمية والأدبية، وهي مطالبة بتعليم الطفل كيف يفكر بعمق فيما يقدم له، أي أن يفكر ويلاحظ ولا يحفظ فقط. وبهذا المنهج، يتم تنمية روح الاستقلالية الذاتية لدى المتعلم لحل مختلف المشكلات التي قد تواجهه مستقبلا، ويصبح مبدعا ولم لا.
كما تشير الأستاذة رجاء إلى أن المدرسة تمثل أول مسار حقيقي في تكوين شخصية الطفل، حيث يشعر بالاندماج الكلي داخل هذا الفضاء بعيدا عن الروابط الأسرية، فيتعلم معنى التعاون والعمل الجماعي، ويكتسب مهارات التواصل وتقبل الآخر. وتؤكد أن هذه المهارات تضاف إلى تفوقه الدراسي، الذي يحدد قدرته على الاندماج مستقبلا في معترك الحياة.
أما في المجال العاطفي، فتعتبر المدرسة الأساس الأول للطفل، لأنها تمنحه الشعور بالأمان، مما يجعله أكثر استعدادا للتعلم.
وفيما يتعلق بالتوجيهات والبرامج التربوية المعتمدة، تؤكد مديرة المدرسة وجود برامج حديثة يتم انتهاجها داخل المؤسسة، تتمثل في الخرجات التثقيفية والرحلات الاستكشافية للطفل، وأنشطة التعبير الحر مثل المسرح والرسم والمطالعة، إضافة إلى الانخراط في الرابطة الرياضية، والاهتمام بالنوادي المدرسية. وتوضح أن هذه الأنشطة كلها تربي الطفل على القيم، والمواطنة، وحب الآخر، والابتعاد عن العنف.
وتخلص الأستاذة رجاء إلى أن المدرسة هي اللبنة الأولى التي تعلم الطفل كيف يكون إنسانا متوازنا قبل أن يكون متفوقا.
وعن أكبر التحديات التي واجهت المدرسة في السنوات الأخيرة، ترى رجاء أن أبرزها كان الانقطاع عن التعليم الحضوري، أي غياب المدرسة كمكان للتعلم والتنشئة، خاصة خلال جائحة كورونا في بلادنا. أما بصفة عامة، فتلخص هذه التحديات في عدة عوامل، من بينها الاكتظاظ داخل الأقسام، الذي يقلل من جودة التعلم ويضعف التفاعل والانضباط، وضعف الدعم النفسي والاجتماعي الناتج عن التفكك الأسري والعنف وغياب المرافقة النفسية، إلى جانب الفوارق الاجتماعية والاقتصادية التي تتمثل في نقص الوسائل وتفاوت النتائج.
كما تشير إلى ضعف تكوين الأستاذ، والحاجة إلى أدوات حديثة في التعامل مع المتعلم، وتأثير التكنولوجيا بشكل خاطئ من خلال الإدمان على الشاشات، إضافة إلى تراجع مهارات التواصل. وتوضح أن كل هذه الإشكالات تم التعامل معها في السنوات الأخيرة عبر مقاربات متعددة، أهمها اعتماد المرونة في التغيير البيداغوجي، وتكييف البرامج مع مستوى التلاميذ، والتركيز على الكفاءات الأساسية بدل الكم المعرفي، واعتماد الدعم والمعالجة، وتعزيز دور الأستاذ وتكوينه.
وبخصوص تأثير التكنولوجيا على طريقة تدريس التلاميذ في المدرسة الابتدائية، تؤكد الأستاذة رجاء أنها أثرت بشكل ملفت، حيث ساعدت المتعلمين على تنويع أساليب التعليم وسهولة التعلم، وجعلت الأنشطة أكثر تفاعلية وجاذبية، كما سهلت شرح المفاهيم الصعبة مع مراعاة الفروق الفردية. لكنها تشدد في الوقت نفسه على أن ذلك يبقى مرهونًا بكيفية استغلالها استغلالًا صحيحًا وحسن توظيفها تربويا وتحت إشراف سليم، حتى تكون داعمة لا هادمة.
أما فيما يخص المبادرات والأنشطة المعتمدة لتحفيز الإبداع والابتكار لدى الطفل منذ الصفوف الأولى، فتوضح أن المدرسة تعتمد على المشاريع الصغيرة والتجارب الاستكشافية، والألعاب التعليمية، وقصص المطالعة التي تشجع على الابتكار والتفكير الحر، إضافة إلى إنشاء مجلات مدرسية هادفة حسب الإمكانيات المتوفرة في كل مؤسسة.
وفيما يتعلق بشراكة المدرسة مع الأسرة والمجتمع، تؤكد الأستاذة رجاء أن التواصل الفعال مع أولياء الأمور يمر عبر اجتماعات منتظمة للاستماع إلى اهتماماتهم وانشغالاتهم، واكتشاف الصعوبات التي تواجه أبناءهم، والعمل على حلها بالتنسيق المشترك. كما يتم إعداد تقارير دورية للوصاية للتكفل بأهم الصعوبات التي تواجه المتعلمين وإيجاد الحلول المناسبة لها، إلى جانب القيام ببرامج توعوية، وبناء شراكات مجتمعية لتعزيز الدعم الأسري والمجتمعي لتجربة التعلم لدى الأطفال.
وفي المحصلة، يبقى دور المدرسة – كما تؤكد الأستاذة رجاء – محوريا في إعداد جيل متوازن، واع وقادر على الاندماج في المجتمع، لأنها ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل فضاء حقيقي لبناء الإنسان.
سمية معاشي
