المقالات

القول بغير علم ..وخطورته في الصحة والفكر والعقيدة:..بقلم الأديب الدكتور:..كامل عبد القوى النحاس 

القول بغير علم ..وخطورته في الصحة والفكر والعقيدة:..بقلم الأديب الدكتور:..كامل عبد القوى النحاس

 

افتتاحية

 

حين تتحول الكلمة إلى خطر يمس الإنسان في جسده وعقله وإيمانه

مقدمة: الكلمة حين تُنزع من ميزان العلم

الكلمة في أصلها أداة بناء، لكنها حين تُنزع من سياق العلم والتخصص تتحول إلى أداة هدم خفية.

والخطورة لا تكمن في الخطأ العابر، بل في الجرأة على القول في غير موضعه، ثم تسويقه للناس بوصفه معرفة أو توجيهًا أو حكمًا.

وفي عالم سريع التداول للمعلومة، لم يعد أثر الكلمة محصورًا في مجلس أو كتاب،

بل أصبح يمتد إلى:

قرار طبي يمس الجسد

أو تصور فكري يمس العقل

أو حكم ديني يمس الإيمان

ومن هنا تظهر ضرورة ضبط القول بضوابط العلم والاختصاص، لا بضجيج الانتشار أو قوة الأسلوب.

 

أولًا: القول بغير علم في المجال الصحي… حين يتحول الخطأ إلى ضرر جسدي مباشر

 

1. الطبيعة العلمية الدقيقة للطب

الطب ليس مجالًا للانطباع أو التجربة الفردية أو الخبرة الشخصية المعزولة،

بل هو منظومة علمية معقدة تقوم على:

البحث العلمي المتراكم عبر عقود

التجارب السريرية المحكمة

الإحصاء والتحليل

المراجعة والتصحيح المستمر

التخصص الدقيق المتدرج

ولهذا فإن أي قول في المجال الطبي خارج هذه المنظومة لا يكون مجرد رأي،

بل قد يكون تدخلًا في مصير علاجي لإنسان.

2. أثر القول غير المتخصص على القرار العلاجي

حين يتأثر المريض أو أهله بقول غير طبيب أو غير مختص، تحدث سلسلة خطيرة من النتائج المحتملة:

إيقاف علاج ضروري في وقت حرج

تأخير التشخيص الصحيح

الاعتماد على وسائل غير مثبتة

تضخيم الأمل أو تثبيط المريض بلا أساس علمي

وهنا لا يكون الضرر نظريًا، بل واقعيًا يتجلى في تدهور الحالات الصحية.

وقد أشار مختصون في المجال الطبي إلى أن من أخطر ما يواجهونه

هو الحالات التي تصل متأخرة بعد اعتماد المريض على توصيات غير علمية،

مما يفقدهم فرصة التدخل المبكر أو يقلل من فاعلية العلاج.

3. مركزية التخصص في حفظ النفس

الشريعة الإسلامية قررت أصلًا عظيمًا في حفظ النفس، وهو من الضروريات الخمس،

ولا يتحقق هذا الحفظ إلا بالأخذ بالأسباب العلمية الصحيحة.

 

ومن هنا فإن أي توجيه في المجال الطبي يجب أن يُبنى على:

علم معتبر

وتخصص دقيق

وخبرة مهنية موثوقة

أما إلغاء هذا المبدأ فهو في حقيقته إضعاف لمنظومة حفظ النفس.

 

ثانيًا: الإطار الشرعي لضبط القول ومسؤولية المعرفة

 

1. المسؤولية الشاملة للإنسان عن مصادر معرفته

قال الله تعالى:

ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولًا

الإسراء 36

هذه الآية لا تقتصر على النهي عن القول بغير علم فقط،

بل تؤسس لمبدأ أوسع:

أن الإنسان مسؤول عن كل أدوات المعرفة التي يستخدمها:

ما يسمعه من معلومات

ما يراه من مصادر

وما يعتقده في قلبه وعقله

وما يصدر عنه من قول أو حكم

أي أن دائرة المسؤولية تبدأ قبل الكلام نفسه.

2. تحريم القول في الدين بغير علم

قال الله تعالى:

ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب

النحل 116

وهنا يتضح أن تحويل الرأي إلى حكم شرعي دون علم

ليس مجرد خطأ، بل هو افتراء على الله من حيث المعنى الشرعي.

3. معيار البرهان كقاعدة للمعرفة

قال الله تعالى:

قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين

البقرة 111

هذه الآية تؤسس لمنهج معرفي كامل:

لا يُقبل قول بلا دليل

ولا دعوى بلا حجة

ولا تصور بلا برهان

فالمعرفة في الإسلام ليست انطباعًا، بل بناء قائم على الدليل.

4. العلاقة بين العلم والخشية

قال الله تعالى:

إنما يخشى الله من عباده العلماء

فاطر 28

فالخشية هنا ليست شعورًا عاطفيًا مجردًا،

بل نتيجة طبيعية للعلم الحقيقي الذي:

يضبط اللسان

ويمنع التسرع

ويجعل الإنسان يقف عند حدوده

فكلما ازداد العلم الحقيقي، ازداد إدراك حدود القول.

 

ثالثًا: القول بغير علم في العقيدة… حين يتحول الخطأ إلى اضطراب في الإيمان

 

1. خصوصية المجال العقدي

العقيدة ليست مجالًا مفتوحًا للرأي أو التجربة أو القراءة الحرة المطلقة،

بل هي مجال مضبوط بأصول:

النصوص القطعية

فهم السلف

قواعد الاستدلال

مراتب الأدلة

وأي تجاوز لهذه الأصول يؤدي إلى اضطراب في الفهم العقدي.

2. خطورة إطلاق الأحكام العقدية بلا علم

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما

متفق عليه

وهذا الحديث يبين أن الحكم في العقيدة ليس مجرد وصف،

بل حكم خطير قد يرتد على صاحبه إذا لم يكن مبنيًا على علم وبصيرة.

رابعًا: الفكر والثقافة حين يتجاوزان حدودهما الطبيعية

1. إشكالية التوسع غير المنضبط في الخطاب الثقافي

في الواقع المعاصر، توسع الخطاب الثقافي ليشمل مجالات دقيقة دون امتلاك أدواتها،

فأصبحنا أمام ظاهرة:

خطاب ثقافي يتكلم في الطب

وخطاب فكري يصدر أحكامًا دينية

وتحليلات عامة تتحول إلى مواقف معيارية

وهذا يخلط بين:

المعرفة المتخصصة

والخطاب العام

2. من الشرح إلى الإلزام

هناك فرق جوهري بين:

شرح فكرة

وبين إصدار حكم عليها

فالأول وظيفة معرفية،

أما الثاني فيحتاج إلى أهلية علمية ومنهجية دقيقة.

وحين يُلغى هذا الفارق، تتحول الثقافة إلى سلطة غير مؤهلة.

3. أثر ذلك على المجتمع المعرفي

هذا الخلل يؤدي إلى:

تساوي غير المتساويين علميًا

تضخم الآراء غير المنهجية

ضعف المرجعية العلمية

تشويش الوعي العام

فتصبح المعرفة أقرب إلى تداول آراء لا إلى بناء علمي.

 

خامسًا: وحدة الخطر بين الصحة والفكر والعقيدة

 

رغم اختلاف المجالات، إلا أن جوهر المشكلة واحد:

في الطب: القول غير العلمي قد يضر الجسد

في الفكر: القول غير المنضبط قد يربك العقل

في العقيدة: القول غير المؤصل قد يخل بالإيمان

فالخطر ليس في المجال، بل في غياب الأهلية العلمية عند التصدر للقول.

 

سادسًا: المنظومة القرآنية لضبط القول والمعرفة

 

القرآن الكريم وضع ثلاث قواعد كبرى متكاملة:

1. قاعدة العلم قبل القول

ولا تقف ما ليس لك به علم الإسراء 36

2. قاعدة الدليل قبل الدعوى

قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين البقرة 111

3. قاعدة الخشية المنبثقة من العلم

إنما يخشى الله من عباده العلماء فاطر 28

وهذه القواعد ليست متفرقة، بل تمثل منظومة واحدة لضبط الفكر والقول والسلوك.

 

خاتمة:

الكلمة بين التأثير والمسؤولية

الكلمة ليست مجرد صوت أو رأي،

بل قد تتحول إلى:

قرار طبي

أو تصور فكري

أو حكم عقدي

ولهذا فإن القول بغير علم لا يُقاس بخفته في لحظته،

بل يُقاس بأثره الممتد في حياة الناس وعقولهم ومعتقداتهم.

فالمعرفة ليست جرأة على القول، بل مسؤولية في القول،

والكلمة ليست حرية مطلقة، بل أمانة مُقيدة بالعلم والدليل والاختصاص.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار