السياسيةالمقالات

الإطار التنسيقي يعيد رسم المشهد… والمالكي يواجه انقلابًا هادئًا من غدر الحلفاء .

من قبة البرلمان إلى خرائط النفوذ : ..

الإطار التنسيقي يعيد رسم المشهد… والمالكي يواجه انقلابًا هادئًا من غدر الحلفاء .

 

بقلم: أ.م.د والحقوقي

مهدي علي دويغر الكعبي

الجمعة ١٥ أيار ٢٠٢٦

 

رأي وتحليل

“وظُلمُ ذوي القُربى أشدُّ مضاضةً

على المرءِ من وقعِ الحُسامِ المُهنَّدِ”

— المتنبي

 

في السياسة لا تأتي الطعنات دائمًا من الخصوم بل كثيرًا ما تولد من داخل الصفوف القريبة حين تتبدل المصالح وتتغير خرائط النفوذ، فيتحول الحليف إلى منافس والصديق إلى خصم يتقن فن الإقصاء بصمتٍ وهدوء.

ما جرى تحت قبة البرلمان العراقي خلال جلسة تمرير الكابينة الوزارية الأخيرة لم يكن مجرد تصويت اعتيادي على وزارات شاغرة بل كان مشهدًا سياسيًا مكتمل الدلالات حمل بين سطوره رسائل واضحة عن تغير موازين القوة داخل الإطار التنسيقي وإعادة رسم النفوذ داخل البيت الشيعي.

هناك ومن على منصة الضيوف جلس نوري المالكي يراقب مشهدًا بدا وكأنه إعلان سياسي غير مباشر عن بداية مرحلة جديدة؛ مرحلة لم يعد القرار فيها محتكرًا كما كان في السنوات الماضية، ولا النفوذ ثابتًا بيد طرف واحد مهما بلغ حجمه السياسي أو تاريخه التنظيمي.

لقد سقطت وزارات كانت تُعدّ من عمق النفوذ السياسي للمالكي، وفي مقدمتها وزارة الداخلية والتعليم العالي، لتتحول الجلسة البرلمانية إلى ما يشبه “الانقلاب الأبيض الناعم”، الذي نُفّذ بأدوات سياسية هادئة ومن داخل البيت السياسي نفسه، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي أو المواجهة المباشرة.

 

غدر الحلفاء… حين تتبدل المواقف .

التاريخ السياسي مليء بصور الغدر والانقلاب الناعم، حين ينهض التلاميذ على أكتاف أساتذتهم أو يتحول المقربون إلى أدوات لإضعاف القائد الذي منحهم المساحة والفرصة.

 

وقد قيل قديمًا

“إذا لم يكن صفوُ الودادِ طبيعةً

فلا خيرَ في ودٍّ يجيءُ تكلُّفَا”

 

فالسياسة لا تعرف الثبات الدائم، والتحالفات فيها تُبنى على المصالح قبل العواطف، وما حدث داخل البرلمان عكس بوضوح حجم التحول داخل الإطار التنسيقي حيث بدأت قوى جديدة تسعى إلى إنهاء مرحلة “الرجل الأقوى” والانتقال نحو توزيع متعدد للقرار والنفوذ.

 

المالكي، الذي عُرف بدهائه السياسي وقدرته على إدارة أعقد الأزمات الأمنية والسياسية بعد عام ٢٠٠٣ وجد نفسه هذه المرة أمام خصوم من نوع مختلف خصوم خرجوا من داخل مدرسته السياسية نفسها وتشكلوا تحت عباءة التحالف ذاته لكنهم اليوم يعيدون رسم حدود القوة بعيدًا عن مركزية القرار التقليدي.

 

من الهيمنة إلى اختبار البقاء .

لسنوات طويلة مثّل المالكي أحد أبرز أعمدة المشهد السياسي العراقي مستندًا إلى إرث حزب الدعوة وصلابة التنظيم والحضور القوي في مفاصل الدولة إلا أن التحولات الأخيرة وصعود الحسابات الشخصية واتساع الخلافات داخل الدائرة الضيقة أضعفت تماسك المشروع السياسي ودفعت به إلى واحدة من أكثر مراحله حساسية.

 

المشهد داخل البرلمان لم يكن مجرد اختلاف على أسماء الوزراء بل كان إعلانًا غير مباشر عن بداية إعادة ترتيب داخل البيت الشيعي ومحاولة لكسر احتكار القرار السياسي داخل الإطار التنسيقي.

 

وفي مثل هذه اللحظات تستحضر الذاكرة قول الإمام علي عليه السلام:

“عند تغيّر الدول تُعرف معادن الرجال.”

 

فكثير من الوجوه التي صنعت حضورها السياسي في ظل نفوذ المالكي بدأت اليوم تبحث عن مواقع مستقلة، وطموحات جديدة، وتحالفات مختلفة، في مشهد يعكس طبيعة السياسة العراقية المتقلبة، حيث لا ثبات دائم للتحالفات ولا ولاء أبدي للمصالح.

 

هل انتهت المرحلة… أم بدأت إعادة التموضع؟ .

ورغم قسوة الضربة السياسية فإن الحديث عن نهاية المالكي يبدو سابقًا لأوانه فالرجل لا يزال يمتلك خبرة طويلة وشبكة علاقات واسعة وقدرة عالية على المناورة وإعادة ترتيب الأوراق.

 

فالسياسة العراقية لا تعترف بالنهايات السريعة بل تقوم على التحولات المستمرة وقد تتحول الخسارة المؤقتة إلى فرصة لإعادة التموضع واستعادة زمام المبادرة.

 

لكن المؤكد أن جلسة البرلمان الأخيرة لم تكن حدثًا عابرًا، بل لحظة سياسية فارقة هزّت مركز النفوذ داخل الإطار التنسيقي وأعلنت بداية مرحلة جديدة عنوانها:

 

“إعادة توزيع القوة… وكسر احتكار القرار.”

ويبقى السؤال الأبرز في المشهد العراقي اليوم:

 

هل ينجح نوري المالكي في تحويل هذه الضربة إلى نقطة انطلاق جديدة تعيد له زمام التأثير داخل الإطار التنسيقي؟

أم أن الانقلاب الأبيض الذي بدأ بهدوء تحت قبة البرلمان سيكون بداية انحسار واحدة من أبرز التجارب السياسية في العراق بعد عام ٢٠٠٣ ؟

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار