مأدبةٌ العدمِ…بقلم.. احمد لمقدم.. فاس المملكة المغربية

مأدبةٌ العدمِ…بقلم.. احمد لمقدم.. فاس المملكة المغربية
أمتدُّ كخيطٍ يتأرجحُ بين فجوتيْن، لا موتَ يُغلقُ السديمَ، ولا جدوى تُبرِّرُ هذا الحضورَ الذي يُعيدُ نفسهُ ككابوسٍ أزليّ. العالمُ غابةٌ من أزماتٍ متشابكةٍ، أشجارُها خناجرُ تطعنُ الهواءَ وتُدمِي الصمتَ. قلبي نارٌ خفيّةٌ، يُسعِّرُهُ الرمادُ كلَّما حاولَ أن يخمدَ.
في داخلي، تتناسلُ يعاسيبُ سوداءُ، تُلسِعُ بعضها بجنونٍ، تُطفئُ أجنحتَها بشوكِ الغيابِ. أحاولُ أن أبرِّرَ كلَّ شيءٍ: الفراغَ الذي يلتهمُني، الصوتَ الذي يختنقُ في حنجرتي، والظلالَ التي ترقصُ حولي كأشباحٍ تبحثُ عن معنى في اللاجدوى.
أقفُ عند مُفترقِ الغيابِ، حيثُ الطرقُ تُفضي إلى لا مكانَ. كلُّ خطوةٍ أُقدِمُ عليها كأنَّها وعودٌ لسماءٍ لن تُشرقَ أبدًا. أشعرُ أنني أُكرِّرُ نفسي، أُعيدُ كتابةَ حزني بنُسخٍ لا تنتهي، كأنَّ العالمَ كلَّه مرآةٌ مشروخةٌ تُعيدُ صورتي دونَ وجهٍ.
أترقَّبُ انهياري ببرودٍ، كأنني ضيفٌ في مأدبةِ العدمِ. الزمنُ هنا طائرٌ بلا أجنحةٍ، يحومُ حولَ رأسي بحثًا عن ملاذٍ. وحتى الحزنُ، هذا الكائنُ الطفيليُّ الذي ينمو في دمي، يبدو أنَّهُ يجهلُ سببَ وجودهِ.
أنظرُ إلى الفراغِ، أجدُ فيه ملامحَ وجهي تتلاشى. ربما أنا لستُ سوى انعكاسٍ لحلمٍ نسيهُ صاحبُهُ، أو خطأٍ في معادلةٍ كونيةٍ عبثيَّةٍ. كلُّ ما فيَّ يتآكلُ ببطءٍ، كأنني شجرةٌ جذورُها تمتدُّ إلى الفراغِ، وأغصانُها تتلاشى مع الريحِ.
احمد لمقدم
فاس المملكة المغربية
