نص سردي.. سجّان الظل.. بقلم الأديب الدكتور مهدي علي الكعبي. جمهورية العراق

نص سردي.. سجّان الظل.. بقلم الأديب الدكتور مهدي علي الكعبي. جمهورية العراق
كانت عيناك تُشبهان مرآةً مُعتمة، كلما اقتربتُ منها لأبحث عن شقوق روحي، انعكست صورتُكَ عليها بجروحٍ أعمق. لطالما ظننتُ أن البحث عن زلاتي سيجعلُك تُدرك كم كنتَ قاسيًا، لكنّكَ في كل مرّةٍ تلتقطُ فيها هفوةً من هفواتي، تختفي وراءها أنتَ.. كشبحٍ يُلوّح بسلاسلِ الماضي.
“لا تبحث عن أخطائي”، همستُ وأنت تُقلّب صفحات يومياتي كأنها قضيّةٌ مرفوعةٌ ضدّ روحك. كلّما ألقيتَ باللوم عليّ، ارتسمت على جدار الغرفة ظلالُ أصابعكَ التي صنعتَ منها قضبانًا حبستَني خلفها. كنتُ أسمعُ صريرَ الباب كلّ ليلةٍ وأنت تَدّعي أنك تُصلح ما كسرتَه بي، لكنّك لم تكن سوى سجّانٍ يُزيّن جدران الزنزانة بورودٍ من وَهم.
ذات يوم، بينما كنتَ تَغرفُ من بحر أخطائك لتُلقيها عليّ كإعصارٍ، انكسر المرآة. رأيتُ وجهك بين شظاياها أكثر سوادًا من ذي قبل، بينما خرجتُ أنا من بين الزجاج المكسور كفراشةٍ تخلّصت أخيرًا من شرنقةٍ كانت تُسمّينها “حبّك”.
سَجنُك لم يكسرني، بل حوّلني إلى نُسخةٍ منك.. قاسيةً، مرتابةً، تبحث عن الهفوات في كل من يقترب. لكنّي اليوم، وأنا أجمع أشلائي من تحت أقدامك، أدركتُ أن الخطأ الوحيد الذي ارتكبتُه هو ظنّي أن بوسعكَ أن ترى نفسك في عيوبي.
اتركني وشأني، فالسجين الذي خلقتهُ بداخلي صار حرًّا، وأصبحَ سجنُك —الذي سمّيتهُ ذات يوم “ملاذًا”— مجرّد غرفةٍ فارغةٍ في ذاكرتي، يُرجع صداها اسمكَ كلّما مررتِ الريح عبرها.
