المقالات

من يبيع العقل؟! خيانة ثقافية على يد وزارة الثقافة” بقلم / احمد عزيز الدين احمد

“من يبيع العقل؟! خيانة ثقافية على يد وزارة الثقافة”

بقلم / احمد عزيز الدين احمد

نص المقال:

 

من يبيع العقل، يبيع الوطن.

ومن يتواطأ على بيع منابر الفكر، يسحق آخر حصون الوعي.

ومن يبرر جريمة كهذه، يجب أن يُحاسب لا أن يُصفق له أو يُستضاف في البرامج الرسمية كوجه حضاري!

 

ما يحدث الآن من وزارة الثقافة المصرية ليس مجرد قرار إداري، ولا خطأ عابر في ملف متخم بالإهمال؛ بل هو كارثة متكاملة الأركان، جريمة مكتملة الأدوات، خيانة موصوفة للعقل الجمعي المصري… حين تقرر الوزارة بكل هذا البرود أن تتخلى عن المقرات الثقافية في المحافظات، التي ظلت لعقود منابر للنقاش والتنوير، فإنها بذلك تُعلن نهاية مرحلة، وتدشّن لعصر الظلام المقنن.

 

الوزير والمسؤولون الكبار في الوزارة – بكل أسف – يلعبون دور السمسار لا المثقف، دور الجابي لا الراعي، ودور المنفذ لا المفكر… كيف تتحول وزارة الثقافة إلى مكتب عقاري كبير؟ كيف يتحول إرثنا الثقافي الذي ورثناه من طه حسين والعقاد وعبد الحميد جودة السحار وسيد قطب ونجيب محفوظ ويوسف إدريس إلى صفقة بيع؟!

 

إن تهدئة الرأي العام عبر شعارات مكررة حول التطوير وإعادة التوزيع والاستثمار هي مجرد قنابل دخان، يراد بها إخفاء الفضيحة لا تفسيرها.

منذ متى كان الفكر عقارًا قابلًا للبيع؟ منذ متى صار الشعر والمسرح والقصة والمنتديات الفكرية سلعةً على رفوف السوق العقاري؟ هل تريدون استبدال صوت المثقف بصوت المزاد؟!

 

يا سيادة الوزير، إن الثقافة ليست كافيتريا، ولا معرض سيارات، ولا صفقة استثمارية سريعة.

الثقافة هي الدرع الأخير لهذا البلد، هي المعركة التي نخوضها كل يوم ضد الجهل والتطرف والتفاهة. وحين تفرطون في هذا الدرع، فإنكم تنزعون منّا الحق في البقاء.

أليس من المخجل أن نرى دولًا أصغر منا تصنع من كتابها سفراء، وتبني مكتبات في كل حي، بينما نحن نُغلق دور الثقافة لنبيعها للمستثمرين؟

منحتم أراضي الثقافة للمقاولين، فهل ستمنحون غدًا مكتبة الإسكندرية لمشروع ترفيهي؟ هل سنرى المسرح القومي وقد تحول إلى مول تجاري؟ هل ستبيعون تمثال رفاعة الطهطاوي في مزاد علني؟!

 

أيها السادة: تجارة العقول أخطر من تجارة السلاح، وأرباحها وإن بدت غير مرئية، هي التي تصنع الأمم وترفع الرايات. أما أرباح الإسمنت والخرسانة فهي قصيرة العمر، تستهلكها الأزمات وتنهار أمام أول زلزال.

 

كفوا أيديكم عن إرثنا الثقافي.

كفوا عن سحق المنصات التي تربى عليها جيل كامل من الأدباء والمفكرين والطلبة الحالمين.

كفوا عن العبث بآخر ما تبقّى لنا من نوافذ النور.

 

نطالب بإيقاف هذا العبث فورًا.

نطالب بحملة وطنية للدفاع عن الندوات، والمراكز، ودور الثقافة في الريف والمدينة.

نطالب بأن تُسحب يد الاستثمار من عقولنا، وأن يُحاسب كل من قرر، ووقّع، وصمت عن هذه الجريمة.

 

هذه ليست قضية نخبة…

إنها قضية وطن يُنتزع من عقله تدريجيًا.

 

بقلم / احمد عزيز الدين احمد

كاتب وروائي وشاعر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر الأخبار