المقالات

أين الأخلاق حين تتحول الجثث إلى أسلحة سياسية؟ .

بقلم الكاتب : أ.م.د. مهدي علي دويغر الكعبي.  

نداء إنساني لوقف استغلال صور المتوفين وتشويه سمعتهم لأغراض سياسية …

حرمة الموتى.. أين الأخلاق حين تتحول الجثث إلى أسلحة سياسية؟ .

 

المرحومة الدكتورة بان زياد طارق.. حين يُسرق الموت من عائلة الفقيد ليُباع في سوق السياسة!

 

بقلم الكاتب : أ.م.د. مهدي علي دويغر الكعبي.

 

الموتى ليسوا أرقامًا جامدة في معادلات السياسة ولا أدوات دعائية عابرة.

كفى تشويهًا لأسماء من رحلوا بلا قدرة على الدفاع عن أنفسهم.

 

الموت في كل الحضارات والأديان لحظة وقار وصمت لا لحظة تشهير وصراع فهو الحد الفاصل بين عالمين والحاجز الذي يمنع ألسنة الناس من النيل ممن رحلوا. لكن المؤلم أن نرى في زمننا هذا أن بعض النفوس المأجورة والأقلام الخاوية من الضمير حوّلت حياة وموت أشخاص إلى مادة للتجاذب الحزبي والسياسي كما حدث مع فقيدة الواجب الإنساني الدكتورة بان زياد طارق رحمها الله – التي تحوّلت سيرتها وصورها إلى ساحات مزايدة وصراع بدل أن تكون ذكرى عطرة وسيرة طيبة

ونحن نتصفح مواقعنا الإلكترونية تحت رحمة قذائف للأشخاص مختلفين منهم سياسي ومنهم إعلامي ومتابع ومنهم مجهول يقصفون بها وبسادية مفعمة بالغرور أعراض غيرهم سيما في مراكز حكومية

حين يغيب الستر وتُداس الفضيلة تتحول الكاميرا إلى أداة فضيحة ويُستبدل القلم الذي خُلق ليكون نورًا للحق بسيفٍ مسموم يطعن الميت في قبره ويشوّه سيرته بعد رحيله لقد تحوّلت حياة الدكتورة بان زياد طارق رحمها الله بعد وفاتها إلى ساحة صراع سياسي رخيص صُوَرها تُتداول بلا إذن ولا احترام وكأن إنسانيتها وكرامتها قد أُسقطتا بمجرد رحيلها لم يُراعَ في ذلك مشاعر أهلها ولا مكانتها العلمية والمهنية ولا حتى حرمة جسدها الذي أفضى إلى ربه.

 

القلم… ضمير حي أم سلاح مأجور؟ .

حين يمسك القلم إنسانٌ ذو ضمير حي يصبح القلم ثورة للكرامة وسلاحًا للدفاع عن المظلوم لا مطيّة لتصفية الحسابات القلم الشريف هو ثورة للإنسان للسلام وللعدالة هو القلم الذي يكتب لينتصر للضعفاء ويحفظ كرامة الميت والحي على حد سواء دون أن يساوم أو يبيع كلمته في سوق النخاسة الإعلامي.

أما الأقلام المأجورة فتقتات على الإثارة وتتغذى على جراح الآخرين وتُزيّف الحقائق باسم الحرية هي أقلام تبرر الغاية بأي وسيلة حتى لو كانت الغاية شهرة رخيصة أو مكسبًا سياسيًا ضيقًا.

وحين يُختَطف القلم من الضمير يتحوّل الميت إلى خبر رخيص وصورة متداولة على موائد السياسة بدل أن يكون ذكرى طيبة تُحفظ لسيرته وفضائله.

 

انتهاك حرمة الموتى… جريمة ضد الله والإنسان .

إن نشر صور الموتى والتشهير بهم لا يعكس فقط انحطاطًا أخلاقيًا بل يُعد انتهاكًا صارخًا لحقوق الميت وحرمة الإنسان.

وقد قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : «اذكروا محاسن موتاكم وكُفّوا عن مساوئهم».

فكيف بمن يتجاوز حدود النصيحة والنقد ليحوّل صورة إنسان رحل إلى أداة للتشهير السياسي والتسقيط الإعلامي؟

إن ما حدث مع الدكتورة بان رحمها الله ليس سوى جرس إنذار خطير يفضح غياب الضمير الإنساني وتجرّد بعض الأقلام من أبسط القيم الأخلاقية.

 

شرف المهنة… أمانة لا سلعة .

المهنة ـ أيًّا كانت ـ لها شرفها. حتى الخصومة لها أخلاقها فكيف لا يكون للإعلام شرف قائم على أمانة الكلمة وصون الحقوق؟

التصوير غير المصرّح به للمتوفى ونشره تحت ذريعة “السبق الصحفي” أو كسب “الإعجابات” هو سقوط مهني وأخلاقي ومجرَّم شرعاً وقانوناً وعرفاً.

نعم لقد فقدت بعض المنابر الإعلامية بوصلتها فتحوّل الميت الذي انقطعت أعماله إلى سلعة تُستهلك في صراع سياسي لا يرحم بينما الواجب أن يبقى ذكر الراحلين محفوفًا بالعطر الطيب لسيرتهم لا بأشلاء صورهم إن الدفاع عن حرمة الميت ليس عاطفة فحسب بل هو التزام ديني وإنساني وقانوني وإذا كان الإعلام سيفًا فالأخلاق هي الغمد الذي يمنعه من التحول إلى أداة طعن في جسد القيم.

 

الأخلاق… الروح التي لا تموت .

الأخلاق هي البصمة التي تبقى بعد الرحيل ما أجمل أن يسير الإنسان بين الناس ويفوح منه عطر أخلاقه وما أروع أن يكون غائباً حاضراً بأعماله الطيبة وذكراه الحسنة

فمن لا يملك الأخلاق لا يملك شيئًا كن سبباً في أن يؤمن الآخرون بوجود الخير في الناس وكن ذلك الإنسان الذي إذا رآه الناس قالوا: ما زالت الدنيا بخير.

نحن اليوم بأمسّ الحاجة إلى إعادة الاعتبار لهيبة الموت ووقف استغلاله وقودًا للصراعات. فالكرامة لا تُجزَّأ، واحترام الراحلين هو المرآة الصادقة لرحمة الأحياء.

 

في النهاية …

إن حرمة الميت ليست قضية فقهية أو إنسانية فحسب بل هي معيار لاختبار ضمير المجتمع وقيمه وما حدث مع الدكتورة بان ليس مجرد خطأ فردي بل فضيحة أخلاقية وإعلامية تهدد سلامة مجتمعٍ بأسره إن لم تُعالَج.

 

فالموتى لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم… لكن الأقلام الشريفة قادرة أن تكون صوتهم وحصن كرامتهم الأخير.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار