لقاء مع الكاتب التونسي الكبير؛ لطفي تياهي 🔶 حاورته: مدير وكالة الراصد الدولية للأنباء فرع الجزائر: سمية معاشي


♦لقاء مع الكاتب التونسي الكبير؛ لطفي تياهي
🔶 حاورته: مدير وكالة الراصد الدولية للأنباء فرع الجزائر:
سمية معاشي
◽ لطفي تياهي واحد من أبرز الأصوات الشعرية في تونس. شاعر وكاتب مجاز في اللغة والآداب العربية، استطاع تياهي أن يترك بصمته الخاصة في الساحة الأدبية من خلال ديوانه “ملامح الظل” الذي صدر عام 2019، والذي يمثل تجربة فريدة في قصيدة النثر. لقد حصد لطفي العديد من الجوائز، وشارك في مهرجانات شعرية محلية ودولية، مما جعله يتمتع بشهرة واسعة.
يتخصص تياهي في كتابة قصائد الومضة، حيث أبدع في تجديد هذا النمط الأدبي الذي لا يزال في بداياته، حتى لقّب بـ”ملك الدهشة”. في هذا الحوار، سنستكشف أفكاره حول الكتابة، وتأثير الأدب على المجتمع، ورؤيته لتطوير قصيدة الومضة من خلال كتابه الجديد الذي يعد بمثابة دراسة عميقة في هذا المجال. دعونا نغوص في عالمه الشعري ونكتشف المزيد عن هذه العقلية المبدعة.
🟨 مرحبا بك:
◾ما هي الموضوعات الرئيسية التي تتناولها قصائد لطفي تياهي في ديوانه “ملامح الظل”؟
▪️التجربة الشعرية تتكون بعد مراكمة طويلة للنص مع الزمن ، و هي تنضج كما الأطفال ، في هذا السياق يمكن تنزبل كتابي الشعري الأول ملامح الظل ، كان طفلا يحدّد علاقته بالعالم و الآخر بإلتقاط أي شيء و وضعه في فمه فكان بين قصائد حارة و حارقة و نصوصا حسية كانت ردود افعال على صفعات الوقت و أخرى كانت على هيئة قبضة أمام وجهي ، أهش بها لكمات النهارات النيئة و بعض نصوص قصيرة لإحتساء قهوة سريعة مع الوقت أو وشم على زند الملل .
كانت قصائد نثرية أرضعت أطفال نصّي حليب الزوايا و قماشا من أحزن الأنواع الفاخرة و حفاظات و مناديل رقبة كي لا ينهمر حساء الخيبات جزافا .
كتبت في ملامح الظل الجندي وراء كيس الرمل خائفا و يتلفّت / تنهيدات الأرامل / وسام على الصدر لا يقي برد الشتاء / عن موهبة العرب في قتل قادتهم / الغياب / المواطن المطحون / المرأة المخذولة بالمواعيد الباردة / بائعة الهوى و المهرج سياق المساحيق/ الثورة و لصوص لوزها / كيف تصبح رئيس جمهورية في خمس خطوات / الحياة كلها مؤخرة / اليتيم المطعون بمحلات الملابس الجاهزة في الأعياد / شيوعي قديم / ساعي البربد الدي فتح دكانا لشحن الهواتف الذكية .
كتبت عن الفقر في حفلات الشاي ، عن القرويون بلا مطر و حقولهم الصلع ، كتبت كل شيء طالته يدي في خزانة الوقت الزّائد عن حاجة التعساء ، عن الخمر المثقوب بالندوب الغائرة ، عن كراس الشروط لتكون مواطنا ، عن بلور الله في النساء ، أن المناصلين بعد سقوط الأنظمة الدكتاتورية يصبحون شعراء ، حانات الأرصفة و فزاعات التنهدات في مواسم النساء ،
افشيت سر قلبي الذي ظنّ أنّني قطعت مع عادتي السيئة في التّبرير للثّرثرة ، كتبت عن القرى البعيدة عن متناول يد السياسي و نشرات الأخبار الرئيسية…
◾ كيف يميز لطفي تياهي بين الومضة والقصيدة التقليدية في شعره؟
▪️الومضة هي آخر تحديثات الشعر و اقصر بناته و اكثرهنّ بلاء لذلك عن سؤالك عن طريقة التمييز بينها و بين القصيدة التقليدية فإن السياق في طرح السؤال يدفعني للإجابة في مستويين
المستوى الأول عام و يتعلق بوضع كل نمط في إطاره التاريخي على أعتبار ان الشعر ناطق بهموم عصره و شخوصه لذلك فإن القصيدة التراثية اصبحت غير قادرة على إحتواء فوضوية المفردة و فيضان الدلالة التي جرتها سيول العوملة ، و ترامي أطراف متطلباتها و غير قادرة على الإطلالة من شبّاك الحياة السريعة و ديناميكية التكنولوجيا و الحياة المعلّبة لذلك كانت الومضة الأقدر على مجاراة هذا النسق المتسارع للمفردة و تعبيراتها و البندقية الأنفذ في قنص الصورة الشعرية في اقل ما يمكن من تعببرات و أسطر .
اما السياق الثاني فهو متعلق بإختلاف الأشكال الفنية بين القصيدة التراثية و الومضة و بما أن هذه الاخيرة هي نمط مخصوص جدا فقد وجب دراسته و كتابته بأشكال خاصة تقطع مع التراث شكلا و مضمونا .
في شعري لم أكتب القصيدة التراثية من مبدئية تحنّطها في الشكل و المقصد لذلك ذهبت إلى القصيدة النثرية عندما أرغب في التمشي اكثر في تطريز مساحة نصية أطول للقبض على صورة شعرية ما و اختصيت في الومضة عندما لا تحتمل الصورة الشعرية إلا لحظة وثوب و قنص .
◾. لماذا يعتبر البعض أن الومضة والهايكو دخيلان على الشعر، وما هي وجهة نظر لطفي تياهي حول هذا الموضوع؟
▪️فعلا الومضة و الهايكو و غيرهما من طرائق الادب الوجيز دخلاء على الشعر إن كان منطورنا للشعر هو النص التقليدي في مضمونه و أشكاله .
فقد قطعت الومضة و الهايكو مع المضمون و البناء في الشعر التراثي و سعت لتأسيس ملامح شخصية خاصة بهما ، حيث أن قدرة اللغة العربية على التعبير اثرى و اكثر تنوعا من بقية اللغات لذلك قد نسلك نحن العرب عدة طرق للتعبير عن المعنى ما يجعلنا نفتح تعرجات كثيرة قبل إصابة الصورة الشعرية في مقتل ، عكس بقية اللغات حيث تتوجه مباسرة صوب كبد الفكرة و من هنا أتت الومضة من الثقافة الغرببة و الهايكو من اليابانية كوسيلة للتعبير المخصوص بالطبيغة و دلالاتها .
لكن هذا لا يعني أن الشعراء العرب لم يكتبوا الومضة أو الهايكو بل لأنهما كانا مستتران داخل النص الطويل دون أن يستقلا عنه في نمط مخصوص .
و الدليل اننا نحفظ بيتا أو بعض أبيات علقت في اذهاننا من قصيدة طويلة و لكنني اعتقد ايضا أن للشعراء العرب فضل كبير في تطور الومضة و الهايكو بتوابل البيئة و الجبلة و اللسان العربي ليبدوان ألذ و أكثر إحتواء للمضمون .
◾ كيف ساهم لطفي تياهي في تجديد نمط كتابة الومضة،
وما هي الخصائص التي يميز بها هذا النوع من الشعر؟
▪️نشترك نحن البشر في الشاعرية بما أننا كائنات لغوية معبرة محكومة بالنوازع و الأهواء و المشاعر ، يبقى الفرق في طرائق و ادوات التعبير أي الشعرية ، وهو ما يميز الشاعر عن الإنسان العادي و الفيلسوف عن المجنون و المسرحي عن الحكواتي و الرسام عن المشعوذ بالرمل و النرد .
إن الومضة كآخر تقليعات الشعر هي أيضا أخطر آلية تعبيره لذلك هي تتطلب شاعرا مخصوصا و على درجة عالية من تملّكه لآليات تعبير مختلفة ، لقد حاولت عند أصطدامي بهذا النمط الغريب في الكتابة الشعرية أن أسلك طريقا ملغّما خاص بي ، مراهنا فيها على قارئ نوعي و تركيبة ذهنية خاصة لا يلهيها طريقة تطريزي للومضة عن النفاذ لعمق المقصد و كبد الصورة الشعرية
إن الإختلاف الذي أرى أنني أحدثته في كتابة الومضة هو إعتبارها معادلة علمية تصنع في المختبر بمقادير معينة تختلف بأختلاف الصورة الشعرية و لا علاقة لها بالحالة الوجدانية
فذهبت لكتابة النوع المركّب من الومضة التي يقع فيها ضخ اكثر من صورة شعرية في النص الواحد على أن يكون الجامع بينهما المقصد و المشهدية و الإشتغال على الدهشة و مخاتلة ذهنية القارئ لإحداث الرجة لتعطيل ردة فعله بعد زمن القراءة بمدة أطول ، يكون حينها قد إستوعب الصورة الشعرية و تعرّجاتها عكس المشاع عند بعض الوماضين بإستعمال الصورة الشعرية المباشرة الغير مركبة و النجاة من فخ البساطة هذا باشتغالهم على التكثيف ، فيبدو الإعجاب و التفاعل حسيّا و ردة فعل مباشرة على التكثيف و المفردة أكثر من عمق الصورة الشعرية و جماليتها .
أمّا عن خصائص الومضة فهي القدرة عن قنص الصورة الشعرية بدقة و الكمون لها بطريقة لا يمكن لها بعدها النجاة من رصاصة الدلالة و بندقية الشاعر الشعرية و قدرتها على استيعاب مختلف ما قد يذهب إليه القارئ من قراءات و إنفتاخها على تعددية المشهد و الصورة .
الومضة ليست مجرد كتابة لنص موجز بل هي طريقة تفكير تعيد ربط علاقة جديدة بين الشاعر و المفاهيم ، الومضة في أقصى تطورها يمكن أن تجعل الشاعر ليس رهين الصورة التي يلتقطها في النص بل تجعله يكتب الفكرة قبل تشكّلها في ذهنيته كأن يكتب مثلا عن أرملة من إطار سيارة على حافة طريق و يكتب عن حبة قمح بجلالة حقل كامل .
الومضة هي المعادلة العلمية في الشعر و هي دليل وصول الشاعر إلى آخر مراحل التطور في تطريز النص الفريد .
◾ ما هي الجوائز التي حصل عليها لطفي تياهي، وكيف أثرت هذه الجوائز على مسيرته الأدبية؟
▪️الجوائز ليست محرارا لجودة النص و لا دليلا على قدرة الشاعر الفنية و الإبداعية بل هي إنعكاس لرأي ما و نتاج ذائقة القائمين على تقديم هذه الجوائز و الحال أننا لا نتعامل مع علم صحيح بل على ذائقية زئبقية يتداخل فيها الذاتي المتعلق بالحسي و الموضوعي المتعلق بمدى إتقان الشاعر للآليات الفنية المتسببة في شعرية النص .
الجوائز و رغم حصولي على بعض التتويجات فإنها مثل الإصدارات لا تعتبر مقياسا دقيقا على مدى قدرة الشاعر و لا تجربته الشعرية ، لم تأثر الجوائز على تجربتي الشعرية ولا على مسيرتي لأن الهدف مراكمة تجربة مختلفة و تبيان لملامح طريقتي في الكتابة بتفاصيل دقيقة تشكّل شخصية النص الذي ادعو إليه .
◾ ما هي ملامح التجديد التي يسعى لطفي تياهي إلى إدخالها في كتابه الجديد حول الومضة؟
▪️أعتقد أن الومضة هي النمط الشعري الذي يكتب بمعزل عن الحالة الحسيّة الوجدانية وهي معادلة رياضية غير أن الأرقام فيها تعتمد على الحركة و الإلتقاطة و التكثيف و الدهشة و الوصول إلى نتيجة ترتقي لليقين بأقل تعبيرات ممكنة .
التجديد أو الطرح الذي اسعى إليه أن يصبح القارئ متفرّجا من الداخل و يكون حاضرا منذ قنص الفكرة فبل التعببر عنها ، قارئا نوعيا واع بأن التعبير و جماليته هو الصانع لجمالية النص و ليست الصورة الشعرية .
◾ كيف يمكن أن نعتبر لطفي تياهي “ملك الدهشة” في الومضة، وما هي العناصر التي تساهم في هذا اللقب؟
▪️لجمهور المتابعين رأيهم الخاص في توصيف الشعراء . ” ملك الدهشة ” هو ما يحبّذ أو هكذا جزافا إتفق عليه أغلبية المتابعين لما أكتب و انشر ، ربما هي الصدفة أن يتكرر هذا التوصيف حتى أصبح ملازما لي و سمة يروق للأصدقاء نعتي بها .
قد أتفهّم أسباب هذه التسمية خاصة عند إطلاقها ممن أعتبرهم ذوي رأي تقني و ذلك عائد إلى يقيني أن الدهشة أهم العناصر الفنيّة لكتابة الومضة حيث تقوم على رجّ ذهنية القارئ و تغيير مكان وصولك دلاليا بعيدا عن المكان الذي كان ينتظرك فيه مع الوصول في التوقيت المحدد شعريا . و هذه الرجة او المخاتلة هي سبب الدهشة التي تقوم على لؤلؤ النص و تختزل كل منجمه و قد تقطع مع مطلع الومضة أساسا بالإعتماد على إنزياح التسعين دقيقة.