قصة قصيرة:( العانس) بقلم الدكتور وليد زيدان اللهيبي جمهورية العراق

قصة قصيرة:( العانس) بقلم الدكتور وليد زيدان اللهيبي جمهورية العراق
تعودت الجلوس في شرفة دارها المطلة على نهر دجلة تنظر إلى انسياب الماء بين جرفي النهر، وتراقب مرور السيارات في الشارع المحاذي للنهر كما وأنها ترصد حركات المشاة في مرورهم وتجوالهم على الكورنيش.
كانت تجلس لفترات طويلة وهي تحتسي كوب قهوة محلاة بالسكر كانت فارعة الطول ذات قوام جيد وشعرها الأسود الطويل ينساب إلى أسفل كتفيها ناعماً كالحرير.
كانت تكثر النظر إلى الماء كأن فيه سر عجيب أو أنها تودع فيه سر حياتها، لم يتجاوز عمرها الثلاثين إلا بقليل من السنين لم تكن متزوجة رغم أنها جميلة أنيقة جذابة، يتمناها كل من يراها. خالجها شعور غريب وهي تضع على شفتيها كوب القهوة متسائلة لِمَ لا تكون هذه قبلة حبيب.
ويقطع صمتها بشكل مفاجئ صوت ( بريك سيارة ) توقف سيارة مسرعة، أعاد إليها وعيها وأكملت شرب رشفة من قهوتها مبتسمة وهي تنظر إلى أحمر الشفاه على حافة الكوب العلوية حيت المكان الذي شربت فيه. بدأت تستعرض حياتها متذكرة أيام الدراسة الجامعية وزميلات تلك الأيام، وزملائها في تلك السنين. رددت في نفسها أن الجميع قد تزوجوا بعد إكمال الدراسة إلا أنا، ما الذي ينقصني… لا شيء أبدا، جمال ومال وأخلاق وشهامة وشهادة جامعية عليا.
إذا لِمَ لم يتقدم أحد لخطبتي هل أقول كما تقول عجائز أيام زمان إنها ( القسمة والنصيب ). لا ليس كذلك أبدا لأبحث عن سبب آخر، واستمرت تستعرض حياتها من جديد ومع رشفة أخرى من قهوتها المحلاة بالسكر ونظراتها إلى صفحة الماء في دجلة ومرور السيارات في الشارع المحاذي ومع حركات أغصان الشجر على حافة الجرف المقابل من النهر وانسياب الزوارق في مياه دجلة التي تكسر صفحة الماء لهذا النهر عبر أمواج متعاقبة تصل ببطىء شديد إلى حافة الجرف صرخت بأعلى صوتها يا للسماء كم جميل هذا المنظر كُلاً يحتضن حبيبته فجرفا النهر يحتضنان المياه ورصيفا الشارع يحتضنان الشارع نفسه وأوراق الأشجار تحتضن الأغصان وأمواج المياه تحتضن الزوارق. إلا أنا لا أحد يضمني إلى صدره بحنان وعاطفة.
عندها أجهشت بالبكاء ودموعها الساخنة تنساب من وجنتيها نازلة بغزارة حتى بللت ردائها، قالت يا لخيبة النساء وكررتها مراراً وهي تلتقط منديلاً ورقياً جففت دموعها به.
قالتها بحسرة واضحة كأنها أيقنت سبب عدم زواجها وأيقنت أن القسمة والنصيب كما يقولون ليست السبب.
وتذكرت أنها رفضت عدد كبير من العرسان تقدموا إليها لأسباب مختلفة شعرت بها الآن أنها أسباب تافهة ويبدو أن تعاليها وتكبرها هو الذي قادها إلى هذه النتيجة بالإضافة إلى رأي بعض النساء الذي أثر على رأيها آنذاك.
مسحت دموعها ثانية وهي تردد يا لخيبة النساء.. يا لخيبة النساء.
