قصة قصيرة: د. وليد زيدان اللهيبي.. جمهورية العراق

قصة قصيرة: د. وليد زيدان اللهيبي.. جمهورية العراق
سيدة الغروب
عند غروب الشمس حيث يكون قرص الشمس منخفضاً جداً يكاد يلامس الشجيرات على جرف النهر ويكون لونه أحمر وبرتقالي لون جميل لا يمكن لأي فنان مهما بلغ من القدرة والتقنية في الرسم أن يتمكن من تحديد هذا اللون.
إن انعكاس لون الغروب على سطح ماء النهر ومع تموج وجريان الماء يعطينا منظراً لا يمكن وصفه من الرقة والجمال.
كانت إحدى السيدات قد تجاوزت الأربعين عاماً بقليل قد تعودت الوقوف على حافة الجرف يومياً وفي نفس المكان وفي نفس الوقت وكانت مُتَّشِحَة بالسواد حتى كاد هذا اللون يتغلب على بشرتها الحنيطة الجميلة.
ومع لون الغروب الجميل وقرص الشمس الأحمر الناري ومع صوت جريان نهر دجلة وحفيف الأشجار المنتشرة على الجرف وعلي حدائق الكورنيش حيث أكشاك الباعة، وكأن الصورة لا تكتمل ألا بوقوف هذه السيدة في مكانها المعهود يومياً وكأنها أصبحت جزءاً من هذه اللوحة الجميلة، أن من ينظر إلى غروب الشمس وإلى السيدة الواقفة على الجرف لا يرى لها أي افتراق.
إن عيونهم تعودت على اكتمال هذه اللوحة الجميلة بها، كان يقف على بعد مسافة من سيدة الغروب هذه ثلاثة رجال تعودوا أن يروها كل يوم هنا في مكانها أو بالأحرى في صومعتها.
– قال أحدهم يبدوا أنها تتذكر أيام شبابها وهذا المكان بالذات يذكرها بحبيبها.
– قال الآخر إنها تقف هنا قرب الماء تتذكر سر الحياة الأبدي.
– قال ثالثهم من علامات الحزن على وجهها أرى أنها تأتي إلى هنا لتغير نمط حياتها وتتمتع بهذا المنظر الجميل.
قال الثلاثة آرائهم ولم يصب أحدهم الحقيقة أبدا لان لسيدة الغروب حكاية أخرى.
وعلي مقربة من الرجال الثلاثة كانت امرأة كبيرة السن تجلس على المصاطب الخشبية تمتع نظرها بمشهد غروب الشمس، أنها لم تكن من رواد هذا المكان بشكل يومي. لفت انتباهها وقوف السيدة هناك في كل مرة تأتي العجوز تجد سيدة الغروب هناك.
قالت تحدث نفسها أن لهذه السيدة حكاية مأساوية أرى ذلك من علامات الحزن المرسومة على وجهها، لاستوقفها اليوم وأخفف عنها قليلاً من الحزن.
وحين همت السيدة بمغادرة المكان وهي تمشي ببطىء شديد اتجهت بطريقها إلى حيث تجلس المرأة العجوز حيث إن الطريق من هناك يمر إلى الشارع الرئيسي.
– قالت المرأة العجوز بِنِيَّتِي أستميحك عذراً وأناشدك أن تجلسي بقربي بعض الوقت.
– ردت سيدة الغروب التحية وقالت لا بأس بذلك يا أماه وجلست بجانبها.
– قالت المرأة العجوز أرى ملامح الحزن عليكِ وأنك ترتدين السواد دائماً وتقفين في نفس المكان.
– قالت سيدة الغروب كيف لا ألبس السواد وهل بقي لي شيء غير هذا اللون.
وقد نزلت على وجنتيها دموع بغزارة وصوتها مصحوباً بحزن ومرارة.
– قالت العجوز يا ابنتي من منا لا يحزن ولكن لا نبالغ فيه فنعقد الأمور قصّي لي حكايتك لأخفف عنك همومك واحمل جزء منها ولو يسير.
– قالت سيدة الغروب مات زوجي بمفخخة وضعوها على الطريق وضعها مجاهدون أو إرهابيون لست أدري، المهم أن زوجي حين مرَّ من هناك كان أحد القتلى وترك لي ولدان وبنت كبيرهم عمره ثلاثة عشر عاماً أنشأته على قيم الفروسية والحب للوطن وفعل الخير، ابتدأت معه بقراءة المصحف الكريم وسيرة العظماء من الصحابة الإجلاء وكان ذلك بعد إتمامه لدروسه، وكان من المتفوقين يا أماه ولانشغالي بالوظيفة جاءت والدتي تسكن مع أبنائي في نفس الدار وذات يوم وفي غفلة عن والدتي غادر أبني المنزل مع أصدقائه وحين عدت بعد نهاية الدوام ولم أجده فَزعتُ من ذلك الأمر وإذا بمجموعة من أصدقائه يطرقون الباب منهم من يبكي ومنهم من لا يعرف ماذا يتكلم، ماذا بكم يا أولادي قال أحدهم إن أبنكِ قد غرق في النهر، صرخت بأعلى صوتي وأصبت بهستيريا سقطتُ على أثرها على الأرض وتجمع حولي الجيران ونقلوني مع الصبية إلى مكان الحادث عند النهر، وجدت هناك مجموعة من الناس مجتمعين قسم وسط النهر يبحث عن ولدي وقسم على حافة الجرف ينتظر. ملئت المكان عويل وصراخ وكلي رجاء أن أجد ولدي سالماً ولكن القدر وإرادة الله كانت أقوى وأنفذ، لقد عثروا على جثته ميتاً غرقاً في النهر، لطمت الخدود حتى جرت منها الدماء وكان الوقت عند العثور عليه هو الغروب. تعودت كل يوم أن أقف في نفس المكان الذي كان يسبح فيه ولدي ووقت الغروب هو وقت العثور عليه ميتاً غرقاً.
– قالت العجوز يا ابنتي هذا هو قدرنا نحن عباد الله وان الموت حق لا تيأسي ولا تحزني واصبري وصابري واقرئي القرآن ترحماً واستمري بالدعاء لهما.
– قالت سيدة الغروب هو كذلك إن شاء الله.
– قالت العجوز رحم الله موتى العراقيين أجمعين، رحم الله الموتى يا ابنتي.