المقالات

الكتابة عن السيد مقتدى الصدر …..رحلةٌ بين الاختبار الإلهي ومسؤولية القلم الحر . بقلم الدكتور مهدي علي الكعبي 

الكتابة عن السيد مقتدى الصدر …..رحلةٌ بين الاختبار الإلهي ومسؤولية القلم الحر . بقلم الدكتور مهدي علي الكعبي

من سجن الرصافة إلى سجن الاعظمية إلى الصحوة الروحية .

 

لم تكن سنتا السجن مجرد عقوبةٍ فرضتها ظروفٌ خارجية بل كانت – مشيئة إلهية – اختُبرتُ فيها لأعيد اكتشاف ذاتي وأتحرر من ثقل الماضي. في تلك الزنزانة حيث تحوّلت إلى جثةٍ سريرية خارج نطاق الحياة تعلّمتُ أن أتخلى عن الأحقاد حتى تجاه أصدقاءٍ وضعوني في موضع الثمن الذي دُفعَ نيابةً عنهم. لم يكن السجن سجناً للجسد فحسب، بل كان تحريراً للروح من رغبة الانتقام وإيذاناً ببدء رحلةٍ جديدة مع الله. هناك في صمتِ الزنزانة اكتشفتُ أن الحوار الحقيقي هو ذلك الذي يُهمس به إلى الله جل جلاله بلا حواجز حيث يُسمعُك حتى قبل أن تنطق.

الهجرة والعودة – إعادة تعريف الذات – .

بعد الإفراج والعودة إلى الحياة قررت الهجرة إلى هولندا هرباً من وطأة الذكريات و بحثاً عن سلامٍ مُفتَرض. لكنّ القدر — أو حبيبي «اللة » — أعادني إلى وظيفتي وبلادي وكأنه يقول لي: «لا تهرب من جهادِك الحقيقي». هنا بدأت رحلتي الأجمل رحلةٌ إلى الجنّة مع أمّي المرأة القوية التي حَوّلَها المرض إلى جليسة فراش لكنّ إيمانها ظلّ يُضيء كالشمس. كذلك الحبيب البروفيسور علي محمد جواد الصائغ الذي كان طول فترة موتي السريريّ يقول اختارك الله لتكون مع امك لأنه هي الجنة .

وفي لحظةٍ حميمة بيننا ( أنا وامي ) بينما كنّا نستعيد ذكرياتنا في بيت العائلة بمدينة الصدر لاحظتُ نظراتها تتوقّف عند صورة السيد مقتدى الصدر سألتني «أتعرف من هذا؟ إنه ابن الشهيد الثاني، السيد محمد صادق الصدر». ثم أضافت بتلقائية الأم الحنون: «لماذا لا تكتب عنه؟ أنت تكتب عن الطيبين، وهو ابنُ سيدٍ عظيم».

لماذا السيد مقتدى الصدر؟

لم يكن اختياري للكتابة عنه اعتباطياً. فسؤال أمّي لم يكن مجرد فضول بل كان نداءً لاستحضار قضيةٍ أكبر كتابة التاريخ بحياديّةٍ وشجاعة دون خوفٍ من «حساسية» الاسم أو خطورة الموقف. السيد مقتدى الصدر — كشخصيةٍ سياسيةٍ ودينية — يمثّل إرثاً مُعقّداً في العراق فهو ابنُ مرجعيةٍ شهيدةٍ وقائدُ تيارٍ يُجسّد ثنائيةً بين الخطاب الثوري والواقع السياسي. كتابتي عنه ليست تبجيلاً أعمى بل محاولةٌ لفكّ تشابك شخصيته التي تُمثّل

– إرث الدم كابنٍ لآل الصدر الذين دفعوا ثمن مواقفهم دماً.

– السلطة الشعبية كزعيمٍ لتيارٍ يحمل صوتَ الفقراء والمهمّشين.

– التحديات السياسية بين خطاب المُقاومة واشتباكات الواقع.

 

مسؤولية القلم الحر: لماذا الآن؟ .

 

قرّرت الخوض في التفاصيل — لا الاختصارات — لأنّ الكتابة عن شخصيةٍ كهذه تتطلّب جرأةً لا تتنازل عن الحقيقة وقلمًا لا يخشى النقد فالسيد مقتدى الصدر ليس مجرد «رجل سياسة»، بل هو رمزٌ لتحوّلات العراق الحديث حيث تختلط المبادئ بالمصالح والخطاب الديني بالصراع السلطوي.

 

لكنّي أتحدّث عنه اليوم لأنّ الاختيار — كما علّمتني أمّي هو جوهر الأخلاق. فـ«القلم الحر» لا يكتب لينتقم، بل ليوثّق بإنصاف. قد أُهاجَم لأنّي أتناول شخصيةً يُحيط بها الجدل، لكنّي أرفض أن أكون أسيرَ الصمت المُفروض باسم «الاحترام».

 

الكتابة كفعلٍ إيماني .

 

في النهاية هذه الكتابة هي جزءٌ من عهدي مع الله بعد عودتي إليه. فكما حوّلتُ سجني إلى فرصةٍ للتحرّر من الضغينة أريدُ لقصّتي مع السيد مقتدى الصدر أن تكون شهادةً على أن الحقيقة لا تُختزل في أبيضَ أو أسود ربما تكون أمّي — برغم مرضها — قد دخلت الجنّة برحمةٍ إلهية، لكنّ جنّتي أنا هي أن أترك كلمةً تُضيء حتى لو اختلفوا حولها.

فالكتابة — مثل الحياة — رحلةٌ لا تنتهي إلّا حين نجرؤ على أن نكونَ أحياءً حقاً. لذلك سأكتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر الأخبار