
كلام في السياسة… لأن من غير المعقول أن تبقى السياسة وحدها تتكلم! .. بين سندان التضليل ومطرقة الحقيقة ولأنّ الصمت صار أكثر كلفة من الكلام .
بقلم الكاتب أ م د مهدي علي دويغر الكعبي
لستُ سياسيًا.. لكنّي أرفض أن تُسرق السياسة من الشعب ومتى سنعترف أن ‘ذباب الإعلام’ يقتل العراق أكثر من الارهابي و السياسيون يسرقون الوطن.. والإعلام المجور يغسل أدمغتنا لنهتف لهم!
المقدمة … …
في ما مضى من زمن بعيدٍ وقريب كنّا ننتظر ظهور المفكر العراقي والسياسي الوطني الدكتور علي الأديب لا لنسمعه فقط بل لنشعر بنبض الوطن في كلماته كنّا نحلم بأن نكون مثله أن نتكلم بحرية أن نعبّر بجرأة أن نُشبه العراق في صدقه لا في حذره كنا نؤمن أن السياسة حوار لا عقوبة ولكن شيئًا فشيئًا صار الكلام في السياسة يُخيف صرنا نتهامس كمن يرتكب جرمًا ونتجنب الحديث كأنّنا على وشك اقتراف خطيئة.
قالها المفكر المغربي يوسف بعشرين ذات زمنٍ “نتجنب ونخاف حتى لا يتحول الكلام في السياسة إلى جريمة”… وها أنا أقولها من جديد لا كاقتباس مستعار بل كواقع مُعاش يتكرر أمامي لكن بألمٍ أكبر وبإصرارٍ أشد كلما قررتُ أن أكتب.
أنا لست سياسياً لست حزبياً لا أبحث عن منصب ولا أركض خلف موكب أنا رجلٌ اكتشف قوة الكلمة في زنزانة وعاش حرية التعبير خلف القضبان حين خانه من ظنهم إخوة ولم يتبقَّ له سوى قلمٍ وأملٍ وام عاجزًا وابن غيور وحلمٍ جديد يولد من رحم الألم.
خرجتُ من سجني لا كضحية بل ككاتب عنيد لا يملّ خرجتُ محمّلاً بقناعة أن الإنسان لا يُجرد من كرامته ما دام يملك الكلمة أكتب لأنني لا أعرف الصمت وأتكلم لأن في الصمت موتٌ بطيء لأوطانٍ تنزف.
نعم اعترف خُدعت سُجنت سقطت لكنني لم أستسلم خرجت لأبدأ من جديد بأسلوب مختلف لكن بروح لا تنكسر وبقلب لا يملّ وبكلمة لا تموت.
أنا لا أملك إلا الكلمة…
وسيلتي في التعبير وسلاحي في المواجهة وسبيلي إلى التنفيس عن الغضب والحزن والحلم
ومنذ أن بدأت تجربة “كلام في السياسة” باتت الكلمة تمرينًا يوميًا على الشجاعة لا على الكتابة فقط.
فوجئت بأنني أمام ثلاثة أنواع من الخطاب ..
نعم ثلاث خطابات وثلاثة أصوات
منذ بدأت رحلتي في “كلام في السياسة”، سمعتُ ثلاث أصوات ..
1. أولهما صوت المحبّ .. مشجّعٌ صادق يرى في ما أكتب أملاً لكنني لا أبالغ في الإطراء فثقافتنا لا تُربّى على التصفيق بل على “حثو التراب على من يمدحك”
ويحتضن تجربتك يؤمن بك ويخاف عليك من أن تتغيّر في زمن التلوّن هؤلاء رغم ندرتهم هم النور وسط الظلام ومع ذلك شكراً لمن احتضن تجربتي.
2. وثانيهم الصوت الخائف… لا يريد لك أن تتكلم ليس لأنك مخطئ بل لأنه يعلم أن الحقيقة باتت تُكلف كثيرًا يخشى عليك من مهنة بلا بوليصة تأمين في بلد صار الصمت فيه ملاذًا آمنًا.
وهنا وينصحني بالسكوت لأن الكلام صار خطراً يقول لي “خفف اصمت لا حاجة للصوت العالي”… لكنه لا يفهم أن الصمت صار أكثر كلفة من الكلام وأن السكوت في وقت الانهيار جريمة بحق الوطن.
3. أما ثالثهم فهم الزومبي …. صوت الحاقد الكائنات الممسوخة التي لا ترى فيك إلا تهديدًا لباطلهم وصوتًا يفضح زيفهم يطلبون منك أن تصمت لا لأنك تسيء بل لأنك تزعجهم بالصدق. يكرهونك لأنك تذكّرهم بأنهم فرّطوا بالكرامة والحق
وساروا في طريق الوهم.
ثم …. يشتم يهدد يهمس في الظل أو يصيح عبر الذباب الإلكتروني هؤلاء لا يريدون مني إلا أن أصمت لأنهم فشلوا في دفني رمزياً فصار بقائي يهدد سرديتهم.
أنا لست خصماً لأحد أنا فقط أتكلم ولكن ماذا أفعل.
الكلمات لا تذوب في فمي هذا مرض لا دواء له وهؤلاء الذين يسعون لتجفيف منابع حرية التعبير عليهم أن يعتادوا على وجوهنا أو يصبروا على شغبنا أو ببساطة .. أن يُغيّروا نظرتهم إلينا.
نحن لا نطمح لمناصب لسنا سياسيين ولسنا معارضين رسميين نحن نتكلم في السياسة لا عنها نناقش نحلل ننتقد ونمدح الصالح لأننا نحب هذا البلد نحاول أن نزعج الروايات الرسمية لأن كثيرًا منها لا يخدم الصالح الوطني بل يطمسه.
والسياسة لمن نسي فعل بشري واختيار بشري وخطأ بشري…
وليست قَدَرًا محتومًا يجب أن نذعن له كما يُراد لنا أن نصدق.
دفعت وما زلت أدفع ثمناً باهظًا لما أكتبه.
كثيرون حاولوا إقصائي شيطنتي اغتيالي معنويًا فقط لأنني كتبت ما أؤمن به.
ولكن أليس هذا ما فعله الطفل في قصة الإمبراطور العاري؟
الجميع تواطأ مع الكذب صمت أو هلّل لثوبٍ لا وجود له إلا طفل واحد لا يعرف الخوف ولا السياسة صرخ بالحقيقة.. “الإمبراطور عارٍ!” ..
أنا لا أطالب بإسقاط حكومات ولا أطمح لمقاعد ولا أسعى لمنصب أنا فقط أطالب أن تكون الكلمة حرة والرأي مباح والاختلاف طبيعي.
نحن نناقش القرارات لا ننازع أصحابها
ننتقد الأداء لا ننتقم من الأشخاص
نسعى إلى الحقيقة لا إلى تصفية الحسابات.
وفي الحقيقة “الصالح الوطني” ليس شيئاً واحداً بل مفهوم مختلف عليه ويجب أن يُناقش لا أن يُفرض
السياسة ليست قَدَراً .
السياسة ليست قضاءً وقدراً كما يُراد لنا أن نعتقد بل هي قرارات بشر أفعال بشر واختيارات بشر وبالتالي الاعتراض على هذه السياسة حق لا خطيئة.
من يحرم الشعوب من الكلام يزرع التمرّد.
من يغلق باب التعبير يفتح باب الانفجار.
من يُصادر الحروف يصنع التطرف.
أنا أكتب… رغم الثمن وأن تكتب يعني أن تتحمّل .
نعم أن تؤمن بحرية الرأي لا يعني أنك على صواب دائمًا لكنك تمارس حقك في التفكير والنقد والاختلاف والكثيرون لا يميزون بين النقد والعداء
يريدونك إما معهم بالكامل أو ضدهم بالكامل
لكن الوطنية لا تعني الولاء الأعمى بل المسؤولية في القول والفعل دفعتُ وأدفعُ يومياً أثماناً باهظة مقابل كل فكرة أكتبها ومع ذلك أكتب لا من باب التحدي بل من باب الإيمان.
تماماً كما في قصة الإمبراطور العاري أنا ذلك الطفل الذي صرخ.. “الإمبراطور عارٍ!”
لا بدّ من قول الحقيقة ولو كانت مُرّة.
ولا بدّ من مواجهة الأكاذيب ولو كانت مزخرفة.
لان الكثيرون لا يميزون بين النقد والعداء،
يريدونك إما معهم بالكامل، أو ضدهم بالكامل.
لكن الوطنية لا تعني الولاء الأعمى بل المسؤولية في القول والفعل
لهذا لا تقل.. “أنا مع فلان بكل ما يفعل”
بل قل “أنا مع فعله الجيد وضده حين يخطئ”.
نحن لسنا أعداء الدولة… نحن أبناءها . ..
الدولة إذا كانت قوية تحتمل النقد .
الدولة إن كانت شرعية تصغي للرأي الآخر.
الدولة إن كانت وطنية تتسع لجميع الأصوات حتى لو كانت حادة.
أما من يرى في كل نقد خيانة وفي كل مخالفة عمالة فذلك لا يؤمن بوطن بل بعصا!
أزمة الإعلام… أزمة وطن .
تحوّل بعض الإعلام في العراق إلى حلبة صراع بين الطوائف بين الأجندات الخارجية بين الذباب ومموليهم ضاعت الحقيقة وانقسم أبناء العراق بين عثماني وأموي وفارسي وتركوا عراقيتهم الأصيلة جانباً.
الصحافة صارت تهمة لا مهنة.
الحياد صار خيانة لا شجاعة.
النقد صار عاراً لا فضيلة.
نعم لقد شوّه الإعلام المرتزق عقل المواطن بالتحريض بالكراهية بالطائفية بالخداع وحوّل بعض أبناء الوطن للأسف إلى خدم لأجندات خارجية
فأصبحنا لا نرى عراقيًا بل فارسياً أو عثمانياً أو أمويًّا
ونسي الجميع أن العراق وُجد قبل الجميع وسيبقى بعد الجميع.
لذلك الإعلام الزائف و”ذبابه” المتكاثر جعل من الحقيقة تهمة ومن الوطنية خيانة ومن السكوت فضيلة!
لا أحد فوق الوطن .
نعم بإمكانك أن تؤيد سياسيّاً أو قاضياً أو حزباً لكن لا ترفعه فوق الوطن لا تكن مشجعاً لفريق بل مواطناً يدعم الأفعال لا الأسماء.
قل .. “أنا مع زيد في كذا وضده في كذا”
لا تقل.. “أنا مع زيد مهما فعل” فهذا عبودية فكرية وليست مواطنة.
رسالتي في “كلام في السياسة” .
“كلام في السياسة” ليس منبراً للسباب ولا مقصلة للخصوم ولا منبراً للتهييج بل هو محاولة لقول الحقيقة بصوت عالٍ في زمنٍ صار فيه الكلام مخاطرة هو تمرين يومي على التفكير لا التطبيل
على النقد لا الهدم على الشجاعة لا الوقاحة.
العراق يستحق ..
العراق لا يستحق هذا الإعلام المأجور ولا هذا القمع للفكر ولا هذه الأجندات التي تحاول تفتيته.
العراق يحتاج إلى..
• مواطنين أحرار لا عبيد أتباع.
• كتاب يُفكرون لا يُملى عليهم.
• إعلام حر لا ذباب موجه.
الكلمة مسؤولية… لكنها أيضاً خلاص.
في زمن يتفوق فيه التطبيل على التحليل تصبح الكلمة الشريفة فعل مقاومة.
الكلمة الحقيقية اليوم هي سلاح مقاومة ناعم لكنها أكثر وجعاً على الفاسدين من الرصاص.
لا أكتب كي أُصفق.
ولا لأطلب منصباً أو مدحاً
أكتب لأن الكلمة شهادة
وأمانة
وحق
ومسؤولية
فهل من حلّ؟ .
لست أنا من يملك الحل
لكنني أملك السؤال، وأملك أن أرفض الصمت.
الحل في يد من يمتلك القرار، في يد المواطن، في يدك أنت.
اليوم أصبحت الكتابة تمرينًا على السير فوق الزجاج.
تفكر ألف مرة قبل أن تكتب،
هل تُفهم كلمتي على حقيقتها؟
أم تُحرّف لتكون أداة إدانة؟
هل استعاراتي ستُقرأ كأدب أم كمؤامرة؟
لكن رغم كل ذلك سأستمر.
سألني أحد الأصدقاء
هل نرى عراقًا وطنيًا نظيفًا؟
أجبته ..
اسأل أولاً هل هناك سياسيون يعملون لأجل العراق فعلاً؟
هل ما زالت السياسي شريفي ؟
هل ما زال هناك من يخاف الله في وطنه؟
أنا لا أملك سوى الكلمة
لكن الكلمة حين تكون صادقة تُقلق الفاسدين
وتوقظ الغافلين وتعيد تشكيل الوعي.
لهذا أكتب.
لا أريد التصفيق.
لا أريد منصبًا.
أريد فقط أن أكون صادقًا مع نفسي
ومع وطني الذي يستحق أفضل من هذا المصير.
في “كلام في السياسة” لا نُملي عليك ما تفكر
بل نرافقك في رحلة التفكير بصوتٍ عالٍ.
لسنا نُعلّم ولسنا نخطب.
نحاول فقط أن نفهم…
قبل أن يُفسرنا الآخرون كما يريدون.
إذا كنت تؤمن أن الرأي ليس تهمة
وأن التفكير بصوت عالٍ ليس جريمة
وأن العراق يستحق ما هو أجمل من الصمت…
فانضم إلينا.
لأن من غير المعقول أن تبقى السياسة وحدها تتكلم.