القرار ٣٤٤ في ميزان القانون . مخصصات الشهادات العليا… حق ثابت لا يقبل التأويل

القرار ٣٤٤ في ميزان القانون .
مخصصات الشهادات العليا… حق ثابت لا يقبل التأويل
وبين القانون والجدل… أين الحقيقة؟
قراءة قانونية تكشف طبيعة مخصصات الشهادات العليا
بقلم أ م د والحقوقي
مهدي علي دويغر الكعبي
الاثنين ١٦ أذار ٢٠٢٦
رأي وتحليل
مخصصات الشهادات العليا بين القرار الإداري ومبدأ المشروعية
الحقوق الوظيفية لحملة الشهادات العليا في ضوء القرار (٣٤٤) لسنة ٢٠١١
مقدمة التحليل القانوني :..
حين يتقدم العلم على الجدل… قراءة قانونية في مخصصات حملة الشهادات العليا :..
في اللحظات التي يكثر فيها الجدل وتتقاطع فيها آراء طالبي العلم في تفسير النصوص القانونية، يظل القانون بانتظار صوتٍ علميٍ رصينٍ قادرٍ على الغوص في أعماق النص وتحليل مقاصده بروحٍ علميةٍ بعيدةٍ عن الانفعال أو الاجتهاد المتعجل فحين يختلف أهل الرأي، يبقى الميزان الحقيقي هو التفسير القانوني الرصين الذي يستند إلى النص وروحه معاً.
وفي ظل الظروف التي يمر بها البلد وما رافقها من قرارات اتخذها المجلس الاقتصادي الوزاري أثرت بصورة مباشرة في سير العمل التدريسي وفي واقع عددٍ من حملة الشهادات العليا العاملين في مؤسسات الدولة، برزت الحاجة إلى قراءة قانونية دقيقة تضع الأمور في نصابها الصحيح بعيداً عن التفسيرات المتضاربة.
ومن هنا جاء رأي البروفيسور الدكتور غازي فيصل ليقدم مقاربة قانونية عميقة تستند إلى التحليل الدستوري والإداري لطبيعة المخصصات الممنوحة لحملة الشهادات العليا في الوزارات ومؤسسات الدولة الأخرى، وهو رأي يعيد ضبط النقاش ضمن حدود النصوص القانونية لا ضمن التأويلات الإدارية المتباينة.
فقد سبق لمجلس الوزراء أن أصدر القرار رقم (٣٤٤) لسنة ٢٠١١ الذي قضى بمنح الموظفين المعينين على الملاك الدائم في الوزارات ومؤسسات الدولة من حملة الشهادات العليا (الدكتوراه والماجستير والدبلوم العالي المعادل للماجستير) – من غير المشمولين بقانون الخدمة الجامعية – مخصصات بنسبة (٥٠ %) من الراتب الاسمي. غير أن الإشكالية القانونية التي أثيرت لاحقاً تمثلت في السؤال الآتي: ..
هل هذه المخصصات ثابتة أم غير ثابتة؟
أولاً: .. التصنيف القانوني للمخصصات .
يُقسم الفقه الإداري المخصصات إلى نوعين رئيسيين:
١- مخصصات ثابتة
وهي المخصصات التي تمنح بقوة القانون ويأتي النص المقرر لها بصيغة الأمر مثل: “يمنح” أو “تمنح” وهو ما يدل على إلزام الإدارة بتطبيقها دون سلطة تقديرية.
ومن الأمثلة عليها مخصصات الشهادة المنصوص عليها في المادة (١١ / أولاً) من قانون رواتب موظفي الدولة والقطاع العام لسنة ٢٠١١ المعدل.
٢- مخصصات غير ثابتة (متحركة)
وهي المخصصات التي يرتبط منحها بالسلطة التقديرية للإدارة أو بتوافر شروط معينة، وغالباً ما تأتي بصيغة: .. “يجوز للوزير المختص” أو “للسلطة المختصة أن تمنح”، كما هو الحال في مخصصات الخطورة المهنية المنصوص عليها في المادة (١٣) . من قانون الرواتب ذاته.
والفرق الجوهري بين النوعين يتمثل في مدى دخولهما ضمن مفهوم الراتب التام؛ إذ إن المخصصات الثابتة تعد جزءاً منه، في حين لا تدخل المخصصات غير الثابتة ضمنه إلا بنص قانوني خاص.
ثانياً: موقع مخصصات الخدمة الجامعية :..
فعلى سبيل المثال فإن مخصصات الخدمة الجامعية المنصوص عليها في المادة (٧ /رابعاً) من قانون الخدمة الجامعية لسنة ٢٠٠٨ المعدل تعد من المخصصات غير الثابتة، لأن منحها مرتبط بشرط التفرغ وإكمال النصاب القانوني.
ولهذا فهي لا تدخل ضمن مفهوم الراتب التام، مع مراعاة حكم البند (ثامناً) من المادة نفسها الذي أجاز صرف نصفها في حالات محددة مثل إجازات الأمومة أو البعثات والزمالات الدراسية.
ثالثاً: . الطبيعة القانونية لمخصصات حملة الشهادات العليا :..
أما فيما يتعلق بالمخصصات الممنوحة لحملة الشهادات العليا في الوزارات والمؤسسات الأخرى بموجب قرار مجلس الوزراء رقم (٣٤٤) لسنة ٢٠١١ فإن التحليل القانوني يقود إلى نتيجة واضحة مفادها أن هذه المخصصات مخصصات ثابتة.
ويستند هذا الرأي إلى أن النص الوارد في القرار جاء بصيغة “منح” وهي صيغة أمر ملزمة لا تترك مجالاً للسلطة التقديرية للإدارة ومن ثم فإنها تكتسب صفة الاستقرار القانوني وتصبح مرتبطة بالراتب الاسمي ارتباطاً مباشراً.
وبناءً على ذلك فإن اعتبارها مخصصات غير ثابتة – كما ذهبت إليه بعض التفسيرات الإدارية في وزارة المالية – لا يستند إلى أساس قانوني راسخ لأنه يخالف دلالة النص ومبدأ استقرار المراكز القانونية للموظفين.
في النهاية:..
إن القراءة القانونية الموضوعية تقود إلى نتيجة واضحة مفادها أن مخصصات حملة الشهادات العليا البالغة (٥٠%) من الراتب الاسمي هي مخصصات ثابتة تلازم الراتب ولا تنفك عنه، ولا يجوز قطعها أو تعديلها بقرار إداري منفرد.
فالمساس بها لا يكون إلا عبر قرار جديد من مجلس الوزراء أو بتعديل تشريعي صريح، احتراماً لمبدأ المشروعية وسيادة القانون وضماناً لاستقرار الحقوق الوظيفية.
وهكذا حين تتداخل الاجتهادات وتتباين التفسيرات يبقى العلم القانوني الرصين هو الفيصل لأن القانون لا يُقرأ بالرغبات بل يُفهم من خلال النصوص ومقاصدها وروح العدالة التي قامت عليها الدولة ومؤسساتها.
