الحرية بين الغربة والاغتراب: بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

الحرية بين الغربة والاغتراب: بقلم: عماد خالد رحمة – برلين
كلّما وُجد الإنسان في فضاءٍ مشتركٍ يعترف بالحريات الأساسية ويكفلها مؤسسيًّا، كان أكثر استعدادًا للتعبير عن اختلافه. وكلّما أُتيح له مثلُ هذا الهامش، انفتح أمامه أفق التحرّر من الاغتراب. ففي فضاء الحرية يقترب الإنسان من ذاته دون عُقد، ويعود إلى ذاته المسكوت عنها، تلك التي لا يُشبه فيها أحدًا.
وهكذا يصبح الفضاء المشترك مسكونًا بالتنوّع، وينكشف الطابع المركّب للواقع الذي يبدو – لمن ألِف التماثل والنمطية – عصيًّا على الفهم. فيرتبك الفكر العامي أشدّ ما يكون الارتباك، ويحسّ كما لو أنّ الأرض التي يقف عليها بثبات قد مادت تحت قدميه، كما قال هيغل، وكأنّ أبواب جهنّم قد فُتحت على مصراعيها. وهو ما يولّد شعورًا بنمطٍ جديدٍ من الغربة: غربة المتفرّد وسط تنوّع الكثرة.
هذه هي صدمة الاختلاف، حيث يشعر كلّ فرد كما لو أنّ التواصل مع الآخرين أمرٌ من قبيل المستحيلات. فتميل العلاقات إلى الرفض والإقصاء والعنف، ويطغى التشنّج والاحتقان، وتعمّ الفوضى الخطابية والسلوكية. وبكلّ بساطةٍ وسذاجةٍ يُدان الاختلاف، فيتجلّى التشابه كاستراتيجية نجاة، وتطفو إلى السطح عصبيّاتٌ ظننّاها قد أفلت، كالعصبية القبلية أو العروشية أو الطائفية أو المذهبية أو العرقية أو الحزبية… حتى ليبدو المجتمع كما لو أنّه مهدّدٌ بالتفكّك.
إنّ واقعًا كهذا – وما أشبهه بواقعنا العربي – يدعونا أوّلًا إلى التخلّي عن سذاجة إدانة الاختلاف، وعن الاعتقاد بأنّ الحلّ يكمن في القضاء عليه؛ فذلك المسلك لا يقرّبنا من الحلّ قَيْدَ أُنملة، بل يعقّد الأمر ويؤسّس لأشكالٍ قصوى من الاستبداد. ويدعونا ثانيًا إلى تدبّر استراتيجيات التواصل ومقوّماته الأخلاقية: فالاحتكام إلى العقل، واحترام الاختلاف، وتثمين التنوّع، ونبذ العنف، والرهان على قوّة الحجّة بدل حجّة القوّة، والتحرّر من عقيدة امتلاك الحقيقة، وتنسيق مخطّطات عملٍ مشتركة لإنجاز غاياتٍ جامعة — كلّها سُبُلٌ لتجاوز صدمة الاختلاف وبناء مجتمعٍ متنوّعٍ متّحد.

