الثقافة والفن

ديوان شعري بعنوان ” ميجنا الموت ” للشاعر ” رافد عزيز القريشي ” طلسم فككههُ من خلال ِ قلبه الجريح .

قاسم ماضي – ديترويت

ديوان شعري بعنوان ” ميجنا الموت ” للشاعر ” رافد عزيز القريشي ” طلسم فككههُ من خلال ِ قلبه الجريح .

 

” الراكبون َ الجرح في بدني ، مشاعل ُ من نزيف ، أوراقهم ذبلت ، وهام بها الضياع ” ص19

 

قلما نجد شعراء يكتبون بحرفية عالية في أيامنا هذه ، الا النفر القليل منهم أو لنقل على عدد الأصابع ويصهرون قصائدهم في أرواحهم التي يتعكزون عليها ، لتكون ثورة تتوق للولوج في العالم الآخر، ومنهم الشاعر ” القريشي ” الذي يمتلك قدرة إبداعية كبيرة في كتابة قصيدته العمودية وقصيدة الشعر الحر أو قصيدة التفعيلة .

 

فمتى سيحكم ُ موطني

 

غير الدعي الى الدعاةِ ص15ا

 

التي أضاف إليها من روحه وتجربته التي أكساها بديناميكيته العالية ، وبوقت قياسي وتحت أي ظرف يمر به هذا الشاعر الحصيف الذي يمتلك من الخيال الكثير والموهبة الربانية .واستوقفتني في قصائد الشاعر” القريشي ” ومنها ” مآرب مع الموت ، مشاعلُ من نزيف ذاكرة من هناك ، نعيم الرحيل ” الأسلوب الشعري الجديد في بناء هذه القصائد التي كان لها الآثر الأكبر في هذا الديوان ” ميجنا الموت ” الذي أستخدمه ُ شاعرنا في قصائد لها دلالات كثيرة ومعاني ذات نسق معرفي .

 

الجمرُ يلهبُ والردى

 

جهراً يمجدُ بالطغاة ص16

 

حتى أن شكل هذه القصائد التي كتبت مختلفة ،وهي متخمة بسحر اللغة وأفاقها التي تحرك لديك هذا الجمال .ولا ننسى الشاعر ” القريشي ” يعمل في اتحاد الأدباء والكتاب في العراق ، ولديه الكثير من المشاركات في المهرجانات والندوات التي تسهم في تحقيق جزء من ذلك التواصل الذي يؤسس لوعي جديد لدى أي شاعريريد ان يطور موهبته .

 

” وأرحل ُ والممات ُ رفيقُ درب ٍ

 

إلى جدثِ الظلام بدون طرف ِ ” ص9

 

 

 

يقول عنه الشاعر ” حماد خلف الشايع ” في مقدمة الديوان ، وحين نقرأ مجموعته الشعرية هذه تطالعنا باقات نرجسية جميلة وفواحة من خلجات النفس والروح والذاكرة ، ونبض الوجدان ينثرها الشاعر في قلوب قرائه بكل ما تحمله تجربته الإبداعية من روح ، وعفوية وانطلاق .

 

لا بسمة ٌ للضوءِ

 

أحمل ُ حُلمها

 

حيناً ولا بصر ٌ هناك يصافح ُ ص66

 

هذه المجموعة الشعرية مصباح مضيء بالشعر ،رغم حديثه عن الموت كثيرا، لكن شاعرنا سرعان ما تسارع لإخراجه من هذا المدار بقدرته على التحكم في عناصر الشكل والمضون والقدرات الأدبية الفنية ليعيد التوازن إلى مساره الصحيح . ص5

 

قد حطموا أرواحنا

 

كيما نموت بلا نجاة ص16

 

ولهذا هو مختلف عن الكثير من الشعراء الذين ظهروا في موجة ظهور ” الميديا ” التي كثر فيها العديد من الذين يطلق عليهم شعراء ” الفيس بوك “ونطلق عليهم في العصر الجديد هو عصر فوضى الكتابة التي عمت أيامنا هذه ،حتى آخذ شاعرنا منحاً مختلفاً عن بقية جيله، والتفاؤل والتوثب ليبقى أسير الحزن فاصطنع لذاته منهجا يسعى من خلاله إلى تحقيق همساته وعبراته ونظرته للحياة .

 

” خُذ يدي قد آن وعدي

 

ومضى للموت ِ جُندي ” ص13

 

ولكثرة الشعراء الذين غزوا هذا العالم فهو لا يحسب عليهم ، لأن قصيدته بلا رتوش يحدوها صدق المشاعر وعذوبتها وحرارة الوجدان ، مركزا على ما يفرضه فن الشعر من التزام بالوزن والقافية ،وهؤلاء الفيسبكيون هم بعيدون كل البعد عن هذا العالم الخاص والفلسفي ، والذي يدخله صاحب ملكة شعرية وموهوب ،وتجد هذا الديوان في أغلبية هذه القصائد مفعمة بالبلاغة ، وعمق المعنى ، والأسلوب ، وحتى نفهم الآخر أن كتابة القصيدة العمودية التي برع بها ” القريشي ” هي لب الشعر ، وحجر أساسه .

 

بلى سأخبر ُ موتي كي يحلً بلى

 

وارتديه وَ أكثر صمته ُ حللا ص23

 

ويتأمل كل ما يكتبه بطريقة مختلقة عن النسق العام الذي رسمه في قصائد ذات ايحاءات مختلفة ومدروسة وتمثل تصورها لهذا الموت العجيب ،ولا هدف له سوى وصف هذه الأفكار المبدعة والممتعة .عمق الألفاظ ، وجزالة المعاني ، والإبداع في التصوير .

 

وكأنني يا موت ُ في بحر الدجى

 

أرمى وأسبح ُ بالظلام ِ مُخضبا ص26

 

حتى أنك تجد نصوصا شعرية مكسوة بالغموض وإكساها بهلامية الثياب المبهمة للتعبير عن مكنوناته الشعرية ، وبلغة مكثفة وقصيرة تستصرخ عالمنا هذا ، وكأنه أراد أن ينتزع هذا المعنى المخبأ في داخله انتزاعا ، وكما يقال وكأن النص أعمى يتلمس تيها ً .

 

” تتوجس ُ الأصوات َ أرديتي ، وفي جسدي تمور ، تتأبط السكرات تحملها ، لترقد َ بالندوب ولا أتوب ” ص18

 

قصائد الموت هي رؤية جمالية أختزنتها ذاكرة الشاعر وتجلت في خياله والتي عبر عنها بوعيه الإنساني .ويبدو شاعرنا ” القريشي ” استفاد من مخزونه الجمالي والرمزي والدلالي لهذا الطلسم العجيب الغريب الذي اسمه ألموت للتعبير عن قضايانا ولتكسب أشعاره بعدا دلاليا وما تمثل ماهيتها الجمالية ودمجها في بنية القصيدة الحديثة .

 

” ينثالُ اغنية يوزعها هناك ، في العتم ِ في الظلل العميقة ، في السماء ، مع الجفاء ، وأناي يحلم بالهروب ” ص20

 

وبخيال واسع ممزوج برؤيا فنطازيا أزاء هذا العالم الغيبي الذي أسمه الموت ، فيطلق لعنانه هذا الألم الممزوج بعفوية محسوبة لما يدور حوله من عالم تصادمي تأخذك أجواءه الى ممرات عسيرة ، لا نقول فبركها شاعرنا حتى يتصيد بالماء العكر .بل إشتغل عليها وكأنه غواَص ماهر يبحث عن شيء في هذا النهر المتلاطم الذي عكر صفوة روحه المليئة بهذه الآهات .

 

” وكُن رحيما ً ، بِضعفي مالكي كرما ً ، كيما أعيشَ حياتي في الدنا طلقا ” ص92

 

وهنا الشاعر عمل بمجهوده الفردي منطلقا من الفنتازيا التي شغلت باله المعتق بروائح هذا الموت الذي يخشاه الآخر ،فالشاعر تناول واقعه الحياتي من رؤيته الغير مألوفة التي تأخذك إلى مايصبو إليها وكأنه يحاكم الآخر .

 

” تتوجس ُ الأصوات َ أرديتي ، وفي جسدي تمور ، تتأبط السكرات تحملها ، لترقد َ بالندوب ولا أتوب ” ص18

 

فما الذي دعاه أن يدخل هذا العالم الغيبي وتكون معظم قصائد هذا الديوان كئيبة وفيها من الصيحات التي تجعل الواحد منا متأزما ،وهذا الديوان الذي بين يدي رسم عدة معالم لخارطة غابت عن الكثيرين في أيامنا هذه ، حتى إنه أرغمني وأدخلني في هذه العوالم التي لا يقترب منها الا النفر القليل ، أو لنقل بعض المعممين الذين يتناولون الموت والحياة من على المنابر ، وهل هذه القصائد التي إشتغل عليها ” القريشي ” هي كما قلنا تدخل في عالم الفنتازيا الذي يطلق عليه نوع أدبي من الخيال التأملي .

 

” في قاب َ موتين ِ دون القبر ِ بل أدنى ، في حرثِ أتباعه الماضين َ ، كان أتى ، عن وحشةٍ من حرور ٍ توجبُ السجنا ” ص64

 

بقى أن نذكر هذا الديوان من منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق ، وهو من القطع المتوسط ويقع في 92 صفحة . وللشاعر العديد من القصائد المنشورة في الصحف والمجلات ، وشارك في العديد من المهرجانات الأدبية ، وهو عضو في أتحاد الأدباء والكتاب في العراق ، وحاصل على عدة شهادات تقديرية وجوائز .

 

قاسم ماضي – ديترويت

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار