منوعة

شريف_بلقاسم في سطور . بقلم سمية معاشي

كتبت: سمية معاشي وحاورت الدكتور محيي الدين عميمور 

📍#شخصية_اليوم: شريف بلقاسم

(30 يوليو 1930 – 22 يونيو 2009)

رجل لم تصنعه الألقاب، ولم تختصره المناصب، بل خلّده صدق الانتماء. رجل ظلّت بصمته راسخة في مفاصل التاريخ، وهو أحد رجالات الجزائر الكبار. قصته تستحق أن تروى، من باب الأمانة التاريخية والوفاء لمن خدموا الجزائر دون انتظار مقابل.

 

ولد #شريف_بلقاسم في مدينة الدار البيضاء ب. المغرب، شأنه شأن عدد من الشخصيات الجزائرية التي ولدت خارج الوطن لظروف تاريخية وسياسية مختلفة، من بينهم الأمير خالد، والشيخ الخضر بن الحسين، وأحمد توفيق المدني، وعبد العزيز بوتفليقة، وقاصدي مرباح، وعلي تونسي، وغيرهم.

 

ينحدر سي جمال – وهو اسمه الثوري – من منطقة الأوراس، وتابع دراسته الثانوية بمدينة الدار البيضاء، حيث تحصل على شهادة البكالوريا. وخلال هذه المرحلة، نشط ضمن صفوف الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين، ثم أصبح ممثلا للطلبة الجزائريين بالمغرب، قبل أن يلتحق بصفوف جيش التحرير الوطني. وخلال فترة وقف إطلاق النار، عين قائدا للفريق العملياتي للغرب، وكان واحدا من المجموعة التي عُرفت تاريخيًا بـ مجموعة #وجدة.

 

بعد استرجاع الاستقلال، انتُخب نائبا عن مدينة تلمسان في 20 سبتمبر 1962، وكان أول من سيّر المجلس التأسيسي ابتداء من 18 سبتمبر 1963. ثم تولى منصب وزير الإرشاد الوطني، قبل أن يعيَّن وزيرا للمالية، حيث وضع في عهده أول مخطط رباعي (1970–1973). وفي المرحلة نفسها، كُلّف بتسيير جهاز حزب جبهة التحرير الوطني، وكان عضوا في مجلس الثورة الذي أُنشئ سنة 1965 عقب عزل الرئيس أحمد بن بلة. وقد عُرف بقربه الشديد من الرئيس هواري بومدين، شأنه في ذلك شأن #عبد_العزيز_بوتفليقة.

 

شغل شريف بلقاسم مناصب عليا خلال فترة حكم الرئيس أحمد بن بلة، وشارك في عدة حكومات متعاقبة، من بينها الحكومة الثانية والثالثة لبن بلة، إضافة إلى حكومة بومدين الأولى. وكان من أبرز الشخصيات السياسية في مرحلة ما بعد الاستقلال، وتولى مسؤوليات حكومية إلى جانب شخصيات وازنة مثل عبد الرحمن بن حميدة وأحمد طالب الإبراهيمي.

 

في منتصف سبعينيات القرن الماضي، انسحب شريف بلقاسم من النشاط السياسي، بعد فترة تولى خلالها رئاسة المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي. وقد تعددت التفسيرات حول أسباب هذا الانسحاب، من بينها الحديث عن خلاف حاد بينه وبين عبد العزيز بوتفليقة. واحتراما لمكانته، لم يصدر الرئيس بومدين مرسوما بإنهاء مهامه، غير أن وزارة الدولة التي كان على رأسها أُلغيت بالكامل.

 

وعندما انتقل إلى رحمة الله بعد صراع طويل مع المرض، لم يكن يملك سوى شقة واحدة بحي المرادية. ويروي الدكتور محيي الدين عميمور، الذي زاره في تلك الشقة، أنها كانت متواضعة إلى حد لا يمكن معه تصديق أن شخصية في حجم شريف بلقاسم تنهي حياتها دون أن تملك غيرها.

 

توفي شريف بلقاسم في 22 يونيو 2009 بالمستشفى الأميركي في باريس، عن عمر ناهز 78 سنة. وكان قريبا من عبد العزيز بوتفليقة خلال ثورة التحرير الجزائرية، وظل وفيا لرفاقه ولمبادئه حتى آخر أيامه.

 

ويقول عنه الدكتور محيي الدين عميمور:

 

«عرفتُ سي جمال بشكل مباشر عندما كُلفتُ بتنظيم الجانب الفني في احتفالات العيد العاشر للاستقلال (يوليو 1972)، وكان هو رئيس اللجنة الوطنية المكلفة بتنظيم الاحتفالات، التي كان من أبرز نجومها السيدتان وردة ومريم ماكيبا، وعدد من #الفنانين العرب الذين غنوا للثورة الجزائرية، بينما تولى عبد المجيد علاهم الأمانة العامة.

 

كان شريف بلقاسم يتمتع بشخصية قوية وحازمة، يحرص على هيبة المنصب دون أن يمنعه ذلك من التصرف بمرونة وروح مرحة في الإطار المغلق.»

 

ويروي الدكتور عميمور موقفين يعكسان جانبًا من شخصيته:

الموقف الأول:

 

كان الإجراء المعمول به في الرحلات الرئاسية يقضي بأن يرسل أعضاء الوفد حقائبهم عشية السفر إلى قصر الشعب، حيث يتولى مساعدو مدير الأمن عبد الملك كركب تفتيشها والتحفظ عليها إلى حين تسلمها بعد الوصول. وذات يوم، ونحن نستعد لمغادرة مطار العاصمة، تلقى شريف بلقاسم ما اضطره للاعتذار عن السفر، فأذن له الرئيس بذلك. غير أن عبد الملك أصرّ على إنزال الحقيبة من الطائرة وتسليمها لصاحبها. فوجئ الوزير بهذا التصلب، وانتظر إلى أن تسلم حقيبته ثم غادر المطار وهو يغلي غضبًا، معتبرًا ذلك انتقاصًا من هيبته.

 

وعند عودة الرئيس إلى العاصمة، واستماعه إلى شكوى رفيقه، استدعى عبد الملك ليعاتبه بلطف، قائلًا إنه كان بالإمكان التساهل مع سي جمال. فردّ عبد الملك بكل احترام:

 

«سيادة الرئيس، عندما كلفتني بمهمتي قلت لي حرفيًا: مهمتك هي الأمن ومهمتي هي السياسة، وعلى كل منا أن يلتزم بمهمته، فهل أطمع أن يظل الأمر كذلك؟»

 

فأجابه الرئيس وهو يغالب ابتسامته: «الله يعاونك»، وهي طريقته المعهودة في إنهاء الأحاديث.

 

الموقف الثاني:

حدث خلال رئاسته للجنة الوطنية لاحتفالات العيد العاشر، حين استدعاني ليسائلني بنوع من الحدة: «لماذا لم تقل لي من أنت؟». ثم واصل قائلاً إنه قال للرئيس بومدين: «لماذا فرضت علينا هذا «عميمور» ، وهو طبيب لا علاقة له بالثقافة والفن، وكأنه مصري»، بسبب ما كان يفلت مني أحيانًا من عبارات باللهجة المصرية لطول مدة دراستي هناك.

ويتابع سي جمال: «غسلني سي بو مدين، قال لي إنك لا تعرف محيي الدين وكتاباته ومواقفه، وأنه انقطع عن الدراسة لينضم إلى جيش التحرير، ونشط بعد الاستقلال في البحرية والمحافظة السياسية، وكان من القلائل الذين انتقدوا جمال عبد الناصر في قمة مجده، وأن والده من علماء الجزائر المتخرجين من الأزهر، وكان ممثل المغرب العربي في لجنة عروبة القدس».

 

ثم التفت إليّ مهاجمًا: «علاش ما قلتليش وخليت الرايس يسمعني الكلام؟».

وتركتُه يلومني دون أن أنطق بكلمة، خاصة وأنني كنت أظن أن هناك من انتقدني عنده، من بين كثيرين أحاطوا به ثم انصرفوا عنه حين تصوروا أنه نال غضبة رئاسية.

 

ويُحسب لشريف بلقاسم أنه لم ينطق يومًا بكلمة واحدة ضد الرئيس بومدين، رغم ما كان يشعر به من مرارة إثر إنهاء مهامه. ومن باب الأمانة التاريخية، لا يمكن نسيان دوره في ترسيم المعلمين الذين كانوا ينشطون في المدارس الأهلية قبل الثورة، وهو ما أثرى المدرسة الوطنية ومكّن هؤلاء الأساتذة من تقاعد محترم يليق بنضالهم، بعد إدماجهم في نظام الوظيفة العمومية، وذلك بالتنسيق مع الشيخ عبد الرحمن شيبان وبتوجيه من العقيد بومدين.

 

ذلك غيض من فيض، تذكيرًا برجل يمكن القول إنه مات مرتين: مرة جسدًا، ومرة حين نسيه من كان له عليهم فضل.

 

ولم يبقَ إلا أن نقول:

رحم الله شريف بلقاسم، ورحم الله كل من سبقونا إلى دار البقاء.

___________

كتبت: سمية معاشي وحاورت الدكتور محيي الدين عميمور

الصور من ألبوم ذكريات الدكتور عميمور

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار