المقالات

محمد الصالح يحياوي: (1937 – 2018)

حاورت: الدكتور محيي الدين عميمور: سمية معاشي 

# محمد الصالح يحياوي: (1937 – 2018)

ضابط عظيم برتبة عقيد من مواليد عين خضرة (المسيلة) من كبار جرحى الثورة، والمثقف الذي ارتدى البذلة العسكرية دون أن يتخلّى عن استقلال العقل وصلابة المبدأ، فكان شاهدا وصانعا في أخطر منعطفات الدولة الجزائرية الحديثة.

 

رجل دفع ثمن استقلاليته إقصاء وتهميشا، دون أن يساوم أو يتراجع عن قناعاته.

 

هو من أبناء معهد عبد الحميد بن باديس بقسنطينة ومن الرعيل الأول لضباط #جيش_التحرير_الوطني في الولاية التاريخية الأولى، وكان يُشارُ له بصفته أكبر جريح في الثورة.

 

قال عنه الصحفي المصري الكبير محمد حسنين هيكل عندما التقاه في السبعينيات بأنه “مثقف برتبة عقيد”.

 

عُيّن بعد استرجاع الاستقلال مسؤولا عن المنظمات الجماهيرية في حزب جبهة التحرير الوطني، لكنه لم يكن مرتاحا لتصرفات الرئيس أحمد بن بله، فقرر العودة للجيش، وهكذا عين نائبا للعقيد عباس، قائد أكاديمية شرشال العسكرية آنذاك، وكان ممثل الجيش الوطني الشعبي أثناء انعقاد مؤتمر حزب جبهة التحرير الوطني في 16 أبريل 1964 وأصبح من المقربين لوزير الدفاع آنذاك العقيد هواري بو مدين ومن أبرز عناصر المجموعة التي التفت حول وزير الدفاع لإنهاء حكم الرئيس بن بله في 19 جوان 1965، وأصبح بذلك عضوا في مجلس الثورة وهو قمة الجهاز الحاكم باسم جبهة التحرير الوطني.

 

وبعد وفاة العقيد عباس في يناير 1967 تولى يحياوي قيادة أكاديمية شرشال، فقام بجهد كبير في تنظيم #الأكاديمية وتعريب مناهجها معتمدا عل نخبة من رجال جيش التحرير، وبدون أن يحول هذا بينه وبين ممارسة النشاط السياسي في إطار مجلس الثورة ومرافقا للرئيس هواري بو مدين في العديد من الزيارات الخارجية.

 

وعندما استكملت الجزائر البناء الدستوري بالاستفتاء على الدستور وتم بناء قمة الجهاز التشريعي بانتخاب المجلس الوطني قرر الرئيس، وانطلاقا من الميثاق الوطني، استكمال البناء السياسي بإعادة تنظيم الحزب الطلائعي الذي يتولى مواصلة المسيرة الوطنية.

 

وحرصا من بو مدين على تكامل المؤسسة السياسية مع المؤسسة العسكرية بالاعتماد على مجاهدي ثورة التحرير قرر تكليف يحياوي بإعادة تنظيم حزب جبهة التحرير الوطني ليكون حزبا طلائعيا حقيقيا لا مجرد جهاز إداري.

 

وهكذا ترك يحياوي الزي العسكري وركز كل جهوده لبناء الحزب، والاستعداد لعقد مؤتمره في أقرب وقت ممكن.

 

وبعد تعيينه مسؤولا تنفيذيا لحزب جبهة التحرير الوطني في 1977) تمكن يحياوي من خلق جهاز حزبي منضبط وفعّال، وكان يريد جعل الحزب قوة سياسية أساسية تقود الجهاز التنفيذي، و”تُعقلنُ” القوة النامية للجهاز الإداري ومؤسسات الصناعة لتندرج في خط الاختيارات الرئيسية للثورة، وليكون الحزب في الوقت نفسه قاعدة لبناء الطبقة السياسية ذات الوجود المؤثر.

وهنا حدث أول تناقض بينه وبين العقيد قاصدي مرباح مدير الأمن العسكري، حيث رفض يحياوي أي تدخل أمني في تقييم مسؤولي الحزب.

 

وبرز اسم يحياوي إثر وفاة الرئيس بو مدين كأحد مرشحيْن اثنين لخلافة الرئيس الراحل، بجانب وزير الخارجية آنذاك عبد العزيز بو تفليقة، وحدث ما أوضح بعض وضعية التناقض آنذاك.

فقد أعدّ يحياوي، عبر مساعديه، خطاب تأبين الرئيس بو مدين، ولكن العملية “اختطفت” منه، وتلا الخطاب في العالية عبد العزيز بو تفليقة.

 

وأثبتت دراسة الوضعية أن أيًّا من الذين يمتلكون احتمالات الترشح لمنصب الرئاسة لن يتمكن من تحقيق الإجماع حوله، وكان ذلك في مرحلة بالغة الصعوبة عرفت في الداخل الفراغ الهائل الي أحدثه غياب بو مدين، وتوازى ذلك مع عملية “كاب سيغلي” الإجرامية، وعرفت في الخارج أحداث إيران وتداعيات التقارب المصري الإسرائيلي.

 

وأمام إصرار رابح بيطاط على احترام الدستور وعدم الترشح لرئاسة الجمهورية رأت القوات المسلحة أن ضمان الوحدة الوطنية واستقرار الوطن يتطلب اختيار مرشح يحقق الإجماع الوطني، وهكذا تم اختيار العقيد الشاذلي بن جديد، الذي تقدم كمرشح باسم جبهة التحرير الوطني بنص الدستور.

 

وكان يحياوي في طليعة مؤيدي الشاذلي.

 

وبعد انتخاب الشاذلي واصل يحياوي نشاطه الحزبي، لكن مناورات البطانة ونشاط ألسنة السوء أفسدت العلاقة بين الرجلين، وكانت الشرارة الأولى قضية خطاب أول مايو 1979 بمناسبة عيد العمال.

 

وكان للتنافر بين الرئيس الشاذلي بن جديد ومنسق حزب جبهة التحرير الوطني المجاهد محمد الصالح يحياوي تداعيات بالغة الخطورة على مسيرة الجزائر، وعلى مسيرة الحزب بوجه خاص.

وتزايد الشنآن بين رئاسة الجمهورية ومؤسسة الحزب ووصل ذروته حين اتخذت اللجنة المركزية للحزب في دورتها الثالثة عام 1980 أخطر قراراتها وهو تخويل الرئيس كل الصلاحيات لاختيار رجال الدولة، وكانت النتيجة تقلص دور يحياوي، وتلا ذلك عملية تصفيات أصابته هو ثم مرباح وبوتفليقة وعبد السلام بلعيد وبراهيم براهمية وعميمور وكانت هذا مقدمة ما سوف يعرفه الحزب في نهاية الثمانينيات، والتي وصلت إلى تحجيم دوره نهائيا بعد إنهاء مهام عبد الحميد مهري.

 

ويبتعد يحياوي نهائيا عن الساحة السياسية باستثناء تحركات مرحلية عابرة على هامش أحداث 1988، ويرفض منصب عضو في مجلس الأمة في عهدة الرئيس اليمين زروال، ويعتكف تماما في منزله، يداوي جروحه الجسدية والنفسية إلى أن يلقى الله منذ نحو ثمان سنوات..

رحم الله محمد الصالح يحياوي ورحم كل من مات في سبيل الله والوطن.

 

كان الدكتور محيي الدين عميمور من الأصدقاء المقربين للعقيد محمد الصالح يحياوي، ولهذا لجأت له لمعرفة المزيد عن العقيد الراحل.

 

فقال لي:

 

معرفتي بالعقيد تعود إلى مرحلة الستينيات، حيث دعمني بكل أخوة مع العقيد عباس عندما واجهت صعوبات من وزارة الصحة، ثم شرفني بكتابة مقدمة أول كتبي وهو “انطباعات”.

وكنت أزوره بصفة منتظمة في شرشال، ثم أصبح يزورني في منزلي خصوصا بعد توليه مسؤولية التنسيق الحزبي، وكان يتصل بي أحيانا عند حدوث شنآن مع الرئيس بومدين ثم مع الرئيس الشاذلي.

 

وكان يحياوي صلبا إلى حد العناد في التعامل مع الرئيس بو مدين على وجه الخصوص، وهناك قصة تظهر معدن الرجلين.

ففي أحد أيام رمضان هاتفني يحياوي قائلا بصوت متوتر:الأمور اشتعلت مع الرئيس.

 

كانت الجزائر يومها في النصف الثاني من السبعينيات قد عاشت قضية مأساوية تتعلق بتأميم بعض المخابز وانتحار أحد أصحابها، ويقول لي سي محمد الصالح إنه تلقى هاتفيا من مسؤول في الرئاسة يلومه على ان الحزب لم يتخذ أي موقف للدفاع عن القرار الذي اتخذته السلطات بخصوص المخابز، ويجيبه يحياوي بأسلوبه المتأثر بوضعية مُدخّنٍ في شهر رمضان: الحزب ليس بوقا لأحد.

ويبدو أن المسؤول نقلها “سخونة” للرئيس الذي هاتف يحياوي طالبا منه أن يأتيه على الفور إلى الرئاسة.

 

وأدرك يحياوي من لهجة الرئيس أن احتمال الانفجار بينهما قائم، فرفض قائلا، يا سي بومدين…آتيك بعد الإفطار…نحن صائمان، ولست أحب أن يصدر منا ما نندم عليه.

 

ويصرّ بو مدين على استدعاء يحياوي قائلا بغضب شديد: أنت إذن تتمرد؟، يجيب يحياوي: أبدا ولكنها ضرورة الاحترام المتبادل.

ويقول لي يحياوي: قبِـِل الرئيس تأجيل اللقاء ليكون بعد الإفطار، وسأمرّ عليك بعد اللقاء، وكان هذا ما حدث.

 

ويأتيني محمد الصالح قبيل منتصف الليل ليروي لي تفاصيل لقائه مع الرئيس في منزله قائلا: وجدت الرئيس في وضعية توتر وغضب شديدين، وبمجرد جلوسي وجدت أمامنا على المائدة المستديرة أكياسا صغيرة أخذ بو مدين يكشف ما فيها وإذا بها قطع من الخبز شبه مُحترقة أو سيئة الطهي، وفي بعضها يبدو مسمار أو حجر صغير أو أوراق “شمّة” مستعملة، وكان واضحا أن مصالح #الأمن قامت ببحث عثرت فيه على هذه العيّنات.

وراح بو مدين يزأر ….هل يرضيك أن يكون هذا هو الخبز الذي يقدم لشعبنا في شهر رمضان ؟.

 

ويضيف يحياوي : قلت له …. سي بو مدين… بصراحة الأخ والمناضل…..أنا أفهم ما تُحسّ به وأدرك مشروعية غضبك …لكن اسمح لي …. ليس دورك وليست مهمتك أن تتولى بنفسك مواجهة أمر كهذا…هو دور الوالي…وعلى أكثر تقدير …هو دور وزير الداخلية …أنت رئيس الدولة ولست رئيس البلدية.— والرئيس ليس من حقه أن يواجه مواطنين حتى ولو أخطئوا …هذا دور آخرين ….

ويواصل يحياوي: أحسست أن الهدوء عاد تدريجيا إلى لهجة الرئيس، ورحنا نتحدث في قضايا أخرى، ولم أشأ أن أعبر عن غضبي على المصالح التي لم تقوم بدورها والتي تلقي عليه الأثقال بدون تبصّر وتكون النتيجة التأثير السلبي على التوازن النفسي لرئيس الدولة.

 

(وبالمناسبة أستاذة سمية، وحتى لا أعطي الفرصة لبعض هواة الجدل العقيم، أقول لك أن كل هذا وكثير مثله نشرته في حياة يحياوي، وتناولته في حديث متلفز أكثر من مرة، كان آخرها في الشروق نيوز، بل وفي فضائيات دولية).

 

ولا بد من تسجيل الشكر للأخ محمد يعقوبي، الذي يعود له فضل كبير في التذكير بالرجل قبل أن يموت بشهور قليلة، ولعل ذلك منحه بعض الطمأنينة، فغادرنا وهو يعرف أنه لم يَمُت مرة ثانية وهو حيّ يرزق.

 

رحم الله عميد جرحى الثورة الذي يجمع بين رمزية ابن باديس ومجد نوفمبر، والذي كاد يُدفن أكثر من مرة وهو حيّ يُرزق.

______

حاورت: الدكتور محيي الدين عميمور: سمية معاشي

الصور من ألبوم ذكريات الدكتور عميمور.

#محمد_الصالح_يحياوي

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار