الثقافة والفن

الشهيد حسين عطية: سيمفونية وجع على ضفاف التضحية

الشهيد حسين عطية: سيمفونية وجع على ضفاف التضحية

…بقلم: انتصار الحسين

كان وجهه قصيدة من تراب العراق الأسمر، حكاية جنوبية مكتوبة بدماء الشهامة. في تلك البقعة حيث رجال الشدائد يذودون عن الحمى، تنبع الأصالة كشلال عذب يروي عطش القلوب. هناك حيث بيوت الكرم مشرعة الأبواب للجائع والغريب، وحيث النخوة تلف المرأة بحماية الجار كعباءة عز. الشعر يرتفع كراية فخر، والحسجة ترن كصوت الحق، والمجالس تعج بحكمة الأجداد الذين زلزلوا عروش الطغاة بالفالة والمگوار.

 

في عام 1976 أشرقت شمس حسين عطية في محافظة ميسان، ليترعرع في كنف الالتزام الديني والأخلاقي، محافظاً على صلاة الجمعة كعهد أبدي. نشأ في بيت عصفت به رياح الاضطرابات بعد أن أصبح شقيقه الأكبر أحمد عطية رمزًا من رموز الانتفاضة الشعبانية عام 1991، ليصبح منزلهم ساحة حرب دائمة تحت أعين البعث.

 

في ملامح حسين عطية تجتمع الغرابة والجاذبية في توليفة فريدة. لم يكن يملك جمالاً تقليدياً، بل كان جميلاً بجمال الروح التي تشع طيبة ورضى. الشقوق الصغيرة حول عينيه وعلى جبينه كانت خريطة تحكي قصة يتيم حوّل الحرمان إلى نهر عطاء يفيض. فمن قال إن فاقد الشيء لا يعطيه لم يعرف حسين عطية.

 

حين بزغ فجر جيش الإمام المهدي (عج) انضم حسين إليه ليؤسس سرية سماها “سرية مصطفى الصدر” والتي تحولت لاحقًا إلى “سرية الشهيد حسين الزركاني”. كان ركيزة أساسية في لواء اليوم الموعود وبطلاً اختير لتنفيذ عملية نوعية استهدفت رتلاً عسكرياً للقوات الأمريكية على الطريق بين الديوانية والعمارة.

 

حسين الذي لم يعرف حنان الأم ولم تكن له زوجة ولم يذق طعم الأبوة ترك في قلب كل من عرفه قصص حب وحنان ورأفة. أعطى من قلبه ودمه شهامة وكرمًا وعطفًا على كل من حوله. يروي رفاقه كيف كان يتبرع براتبه للمحتاجين من إخوته المجاهدين، رافضًا النزول إلى الإجازة. كان يجمع ما تيسر من ماله للمواكب الحسينية الصغيرة.

وكأنه يسد دينه في خدمة الحسين (ع) التي انشغل عنها في الجهاد.

 

يروي أحد أصدقائه قصة مؤثرة: “في طريق الزيارة الشعبانية حيث قال :

استضافنا رجل كبير السن بدا فقيراً لكنه أصر على استقبالنا وقدم لنا ما لديه من طعام. حسين كان يأكل قليلاً احترامًا لصاحب الدار.

وعند خروجنا أعطاه ورقة من فئة مئة دولار . تعجبت وسألته: خويه حسين هو ما نطانا شي ليش هالگد تنطيه فلوس؟ فأجابني: بل أعطانا الكثير… أعطانا كل ما يملك”.

 

عندما تأسست سرايا السلام التحق حسين بها وتقلد منصبًا رفيعًا كآمر لواء 313 للمهام الخاصة منذ عام 2014. ورغم قيادته لم يمتلك بيتًا أو سيارة ولم يحظ بحماية شخصية. كانت ملابسه بسيطة وحياته نسخة طبق الأصل من حياة بقية رفاقة من الجنود.

 

حسين عطية كان محبوبًا من الجميع، الكل يبكيه كل من عرفه يحزن عند رؤية صورته.

حتى أنا الكاتبة التي لم أعرفه إلا بعد استشهاده شعرت بأنه من أهلي وأنه أخي ترك في قلبي حزنًا أبديًا وماتوجهت للنجف الا كان زيارته واجبا كأنه أحد أفراد أسرتي

 

يروى عنه أنه ذات يوم حين كان مسؤولاً عن أحد الفرق المدافعة عن أرض سامراء استولى رفاقه على أسلحة تركها العدو عند هروبه. أصروا

على الاحتفاظ بها لحاجتهم إليها في مواجهة العدو لكنه رفض مؤكدًا أن هذا لا يجوز

وليس من صلاحياته. وبعد إصرارهم ومعرفته بحاجتهم وافق لكنه ذهب إلى الوحدة الرئيسية وأخبرهم بالأمر. ورغم توبيخهم له لم يتخذوا أي إجراء ضده لعلمهم بصدقه وأن الأسلحة ذهبت لأيدٍ أمينة تدافع بها عن حرمة الوطن.

 

لكن حسين عطية بأمانته والتزامه لم يرضَ بذلك فعاد إلى وحدته وسجن نفسه عقابًا على ما فعل كونه مسؤولاً عن وحدته ولم يعنف أحدًا ممن أصروا عليه. حاول الجميع إقناعه بالخروج لكنه أصر على معاقبة نفسه بنفسه وكأنه يجلد ذاته أمام ضميره الحي.

 

روايات حسين عطية لا تنتهي فهو قصة ملوحة جنوبية أبت أن تشاهد أرض الغربية تسقط في براثن الإرهابيين المتعطشين للدماء.

 

مضى حسين عطية شهيدًا مع رفاقه تاركًا ألمًا لا يُمحى في قلب كل من عرفه أو سمع عنه. استشهد في قاطع عمليات سامراء في 14 فبراير 2019 مخلفًا إرثًا عظيمًا من التضحية والإيثار والكرامة العراقية الأصيلة.

 

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار