المقالات

حوارٌ ساخنٌ افتراضي بين أبي الطيب المتنبي ومحمود درويش:

حوارٌ ساخنٌ افتراضي بين أبي الطيب المتنبي ومحمود درويش:

بقلم: عماد خالد رحمة_ برلين.

 

قال المتنبي، وقد جلس كأنّ اللغة سيفٌ في يده:

ـ ما بالكم يا أهل هذا العصر تكتبون الوجع أكثر مما تكتبون المجد؟ كنتُ أرى الشعر صهوةً يمتطيها الشاعر ليعلو، فإذا به عندكم جرحٌ مفتوح يمشي على قدمين.

ابتسم درويش، وأشعل في صوته هدوءَ زيتونةٍ تعرف الريح:

ـ لأن المجد يا أبا الطيب لم يعد حصاناً فردياً. صار شعباً يبحث عن ظلٍّ لا تقطعه الطائرات. نحن لا نصعد فوق الآخرين، بل نحاول أن نحملهم معنا كي لا يسقطوا.

قال المتنبي، وفي عينيه برقُ فارسٍ لم يعتد الاعتذار:

ـ الشعر سيادة، ومن لم يرفع نفسه رفعته الأقدار تحت أقدام غيره. أنا قلتُ: الخيل والليل والبيداء تعرفني، لأن الشاعر إن لم يُعرّف نفسه ضاع في ضجيج القوافل.

ردّ درويش بهدوءٍ أشبه بالمطر:

ـ وأنا قلتُ: على هذه الأرض ما يستحق الحياة. لم أبحث عن اسمي وحدي، بل عن اسمٍ يتسع للجميع. البطولة عندكم فردٌ يتوهّج، وعندنا شعبٌ يحاول ألا ينطفئ.

ضحك المتنبي ضحكةً قصيرة:

ـ إذن أنتم شعراء الهزيمة الجميلة؟

قال درويش:

ـ بل شعراء الأمل العنيد. أنتم قاتلتم بالسيف حين كان السيف لغة العصر، ونحن نقاتل بالكلمة حين صار الرصاص أعمى. الفرق بيننا أنكم أردتم أن تُخلّدوا أنفسكم، ونحن نحاول أن نمنع النسيان من أن يبتلعنا.

مال المتنبي قليلاً، كأنّه يعترف دون أن يعترف:

ـ لكن الشعر بلا كبرياء يُصبح بكاءً.

أجابه درويش:

ـ والكبرياء بلا إنسانٍ يصبح صدىً في صحراء. القصيدة ليست مرآة الشاعر فقط، بل نافذة الذين لا صوت لهم.

قال المتنبي:

ـ كنتُ أطلب دولةً تليق بشعري.

قال درويش:

ـ وأنا كنت أبحث عن وطنٍ يتّسع لقصيدة.

ساد صمتٌ طويل. في الأفق مرّت قافلةٌ لا تُرى، وربما كانت قرناً كاملاً يعبر بينهما.

ثم قال المتنبي:

ـ لو عشتُ في زمانك، ماذا كنتَ تظنني أكتب؟

ابتسم درويش:

ـ كنتَ ستغضب كثيراً… ثم تكتب أجمل قصائدك.

ردّ المتنبي:

ـ ولو عشتُ أنت في زماني؟

أجاب درويش:

ـ لكنتُ سأعلّم سيوفكم أن تصغي قليلاً إلى القلب.

وعندها فقط، تصافحت القصيدتان؛ واحدةٌ تمشي بخطى الفارس، وأخرى تمشي ببطء العائد من المنفى، لكنهما أدركتا أن الشعر ـ مهما تغيّر زمنه ـ هو محاولة الإنسان الأخيرة ليهزم الفناء بالكلمات.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
آخر الأخبار